اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ يجوز أن تكون الجملة صفة ل «قَرْيَةٍ »(١) وأن تكون حالاً منها. وسوغ(٢) ذلك سبق النفي(٣). وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد «إلاَّ » ولم تعزل عنها في قوله :﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] ؟ قلت : الأصل عزل الواو، لأنَّ الجملة صفة ل «قَرْيَةٍ » وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة(٤) بالموصوف، كما في قوله(٥) :﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾(٦) [الكهف: ٢٢]. قال أبو حيان : ولو قدرنا «لَهَا مُنْذِرُونَ » جملة لم يجز أن تجيء صفة بعد ( إلاَّ )، ومذهب الجمهور أنه لا تجيء الصفة بعد «إلاَّ » معتمدة على أداة الاستثناء(٧)، نحو : مَا جَاءَنِي أحدٌ إلاَّ رَاكِبٌ، وإذا سمع مثل هذا خرّجوه على البدل، أي : إلاَّ رجل راكب، ويدل على صحة هذا المذهب أنَّ العرب تقول : ما مررت بأحدٍ إلاَّ قائماً ولا يحفظ عنهم «إِلاَّ قَائِم » يعني : بالجر، فلو كانت الجملة صفة بعد «إلاَّ » ( لَسُمِعَ الجَرُّ )(٨) في هذا(٩).
وأيضاً(١٠) فلو كانت الجملة صفة للنكرة لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد «إِلاَّ ». يعني نحو : مَا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ إِلاَّ العَاقِلِ.
ثم قال : فإن كانت الصفة غير معتمدة على الأداة(١١) جاءت الصفة بعد «إلاَّ » نحو : ما جاءني أحدٌ إلاَّ زيدٌ خيرٌ من عمرٍو، والتقدير : ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرٍو إلاَّ زيدٌ.
وأمَّا كون الواو تزاد لتأكيد وصل الصفة بالموصوف فغير معهود في عبارة النحويين، لو قلت : جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، وإنما تدخل الواو في الصفات جوازاً إذا عطف(١٢) بعضها على بعض وتغاير مدلولها، نحو :«مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الشجاع والشاعر »(١٣).
وأما ﴿وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فتقدم الكلام عليه(١٤).
قال شهاب الدين : أما كون الصفة لا تقع بعد ( إلاَّ ) معتمدةً فالزمخشري يختار غير هذا، فإنَّها مسألة خلافية(١٥)، وأما كونه لم يقل ( إلاَّ قائماً ) بالنصب دون «قَائِم » بالجر فذلك(١٦) على أحد الجائزين، وليس فيه دليل على المنع من قسيمه. وأما قوله : فغير معهود في كلام النحويين. فممنوع، هذا ابن جنِّي نصَّ عليه في بعض كتبه(١٧)، وأما(١٨) إلزامه أنها لوكانت الجملة صفة بعد ( إلاَّ ) للنكرة، لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد ( إلاَّ ) فغير لازم، لأنَّ ذلك مختص بكون الصفة جملة، وإذا كانت جملة تعذر كونها صفة للمعرفة، وإنَّما اختص ذلك بكون الصفة جملة، لأنها لتأكيد وصل الصفة والتأكيد لائق بالجمل.
وأمَّا قوله : لو قلت : جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، فمسلَّم، ولكن إنما امتنع ذلك في الصفة المفردة لئلا يلبس أن الجائي اثنان : رجلٌ وآخر عاقلٌ، بخلاف كونها جملة فإنَّ اللبس منتفٍ، وقد تقدم ( الكلام في )(١٩) ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾(٢٠) [الكهف: ٢٢].
وأيضاً(١٠) فلو كانت الجملة صفة للنكرة لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد «إِلاَّ ». يعني نحو : مَا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ إِلاَّ العَاقِلِ.
ثم قال : فإن كانت الصفة غير معتمدة على الأداة(١١) جاءت الصفة بعد «إلاَّ » نحو : ما جاءني أحدٌ إلاَّ زيدٌ خيرٌ من عمرٍو، والتقدير : ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرٍو إلاَّ زيدٌ.
وأمَّا كون الواو تزاد لتأكيد وصل الصفة بالموصوف فغير معهود في عبارة النحويين، لو قلت : جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، وإنما تدخل الواو في الصفات جوازاً إذا عطف(١٢) بعضها على بعض وتغاير مدلولها، نحو :«مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الشجاع والشاعر »(١٣).
وأما ﴿وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فتقدم الكلام عليه(١٤).
قال شهاب الدين : أما كون الصفة لا تقع بعد ( إلاَّ ) معتمدةً فالزمخشري يختار غير هذا، فإنَّها مسألة خلافية(١٥)، وأما كونه لم يقل ( إلاَّ قائماً ) بالنصب دون «قَائِم » بالجر فذلك(١٦) على أحد الجائزين، وليس فيه دليل على المنع من قسيمه. وأما قوله : فغير معهود في كلام النحويين. فممنوع، هذا ابن جنِّي نصَّ عليه في بعض كتبه(١٧)، وأما(١٨) إلزامه أنها لوكانت الجملة صفة بعد ( إلاَّ ) للنكرة، لجاز أن تقع صفة المعرفة بعد ( إلاَّ ) فغير لازم، لأنَّ ذلك مختص بكون الصفة جملة، وإذا كانت جملة تعذر كونها صفة للمعرفة، وإنَّما اختص ذلك بكون الصفة جملة، لأنها لتأكيد وصل الصفة والتأكيد لائق بالجمل.
وأمَّا قوله : لو قلت : جاءني رجلٌ وعاقلٌ. لم يجز، فمسلَّم، ولكن إنما امتنع ذلك في الصفة المفردة لئلا يلبس أن الجائي اثنان : رجلٌ وآخر عاقلٌ، بخلاف كونها جملة فإنَّ اللبس منتفٍ، وقد تقدم ( الكلام في )(١٩) ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾(٢٠) [الكهف: ٢٢].
١ انظر نص الزمخشري الآتي..
٢ في ب: ومسوغ..
٣ انظر البحر المحيط ٧/٤٤..
٤ في الأصل: الصلة..
٥ قوله: سقط من ب..
٦ [الكهف: ٢٢] الكشاف ٣/١٢٨-١٢٩..
٧ أي: مقصوداً بها وصف ما قبل (إلا)..
٨ ما بين القوسين في ب: سمع الجر أيضاً..
٩ يعني في المفرد، وهو قولهم: ما مررت بأحد إلا قائماً، فكان يقال: قائم أيضاً..
١٠ وأيضاً: سقط من ب..
١١ في ب: الإعادة. وهو تحريف..
١٢ في ب: عطفت..
١٣ في ب: وبالشاعر. وهو تحريف..
١٤ البحر المحيط ٧/٤٤ بتصرف يسير وانظر أيضاً ٦/١١٤-١١٥..
١٥ انظر شرح المفصل ٢/٩٣..
١٦ في ب: فذاك..
١٧ لم أهتد إليه في الخصائص أو في سر صناعة الإعراب..
١٨ في ب: فأما..
١٩ الكلام في : تكملة من الدر المصون..
٢٠ [الكهف: ٢٢]. الدر المصون ٥/١٧١..
٢ في ب: ومسوغ..
٣ انظر البحر المحيط ٧/٤٤..
٤ في الأصل: الصلة..
٥ قوله: سقط من ب..
٦ [الكهف: ٢٢] الكشاف ٣/١٢٨-١٢٩..
٧ أي: مقصوداً بها وصف ما قبل (إلا)..
٨ ما بين القوسين في ب: سمع الجر أيضاً..
٩ يعني في المفرد، وهو قولهم: ما مررت بأحد إلا قائماً، فكان يقال: قائم أيضاً..
١٠ وأيضاً: سقط من ب..
١١ في ب: الإعادة. وهو تحريف..
١٢ في ب: عطفت..
١٣ في ب: وبالشاعر. وهو تحريف..
١٤ البحر المحيط ٧/٤٤ بتصرف يسير وانظر أيضاً ٦/١١٤-١١٥..
١٥ انظر شرح المفصل ٢/٩٣..
١٦ في ب: فذاك..
١٧ لم أهتد إليه في الخصائص أو في سر صناعة الإعراب..
١٨ في ب: فأما..
١٩ الكلام في : تكملة من الدر المصون..
٢٠ [الكهف: ٢٢]. الدر المصون ٥/١٧١..