تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
الضمير في ﴿أَنَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] يعود على الشعراء، والوادي: هو المنخفض بين جبلين، وكان محل السير ومحل نمو الأشجار والبساتين واستقرار المياه.
﴿يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] نقول: فلان هَامَ على وجهه أي: سار على غير هدى، وبدون هدف أو مقصد، فالمعنى ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أن هذه حال الشعراء، لأنهم أهل كلام وخيال يمدحك أحدهم إنْ طمع في خيرك، فإنْ لم تُعطِه كال لك الذم وتفنَّن في النَّيل منك، فليس له وادٍ معين يسير فيه، أو مبدأ يلتزم به، كالهائم على وجهه في كل وَادٍ.
فالمتنبي وهو من أعظم شعراء العصر العباسي ويُضرب به المثل في الحكمة والبلاغة، من أشهر شعره قوله:
فَالخَيْل والليْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنيوالسَّيْفُ والرُّمح والقِرْطَاسُ والقَلَم
فلما كان في إحدى رحلاته خرج عليه قُطَّاع الطرق، فلما أراد أن يفرَّ قال له خادمه: ألست القائل:
فَالخَيْل والليْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنيوالسَّيْفُ والرُّمح والقِرْطَاسُ والقَلَم
فاستحى أنْ يفرَّ، وثبت أمامهم حتى قتلوه، فقال قبل أنْ يموت: ما قتلني إلا هذا العبد، واشتهر هذا البيت في الأدب العربي بأنه البيت الذي قتل صاحبه.
ولما جاء المتنبي إلى مصر مدح حاكمها كافور الإخشيدي طمعاً فيه، وكان كافور رجلاً أسود؛ لذلك كَنَّوْه بأبي المِسْك، ولما مدحه المتنبي حالَ الرضا قال فيه:
أَبا كُلِّ طِيبٍ لاَ أَبَا المِسْك وَحْدَهُ... وفي قصيدة أخرى يقول:
قَضَى اللهُ يَا كافُورُ أنَّكَ أَوَّلٌوليْسَ بقَاضٍ أنْ يُرَى لَكَ ثَانِ
فلما لم يُعْطه كافور طلبه، وساءتْ العلاقة بينهما، قال يهجوه:
أُريك الرضا لو أخْفت النفسُ خافيَاومَا أَنَا عَنْ نفسي وَلاَ عَنْكَ رَاضيا
أَمَيْنا وإخْلاَفَاً وغَدْراً وخِسَّةً وجُبْناأشخصاً لُحْتَ لي أَمْ مَخَازِيا
وتُعجِبُني رِجْلاَكَ في النَّعْلِ إننيرأيتُكَ ذَا نَعْلٍ وإنْ كُنْتَ حَافِيا
ومِثْلُكَ يُؤتَى مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَةلِيُضحِكَ ربَّاتِ الحِدَادِ البَوَاكِيَا
ولَوْلاَ فُضُول الناسِ جِئْتُك مَادِحاًبما كنتَ في نَفْسِي به لَكَ هَاجِيَا
وقد يكون الشاعر بخيلاً، ولكنه يمدح الكرم والكريم، ويرفعه إلى عنان السماء:
متَّى تَأْتِهِ تَعشُو إلى ضَوْء نَارِهتَجِدْ خَيْر نَارٍ عِنْدهَا خَيْرُ موقِدِ
والحطيئة مع ما عُرف عنه من البخل يمدح أحدهم، ويصفه بالكرم النادر، لدرجة أنْ جعله يهِمُّ بذبح ولده لضيفه؛ لأنه لم يدد ما يذبحه، وينظِم الحطيئة في الكرم هذه القصيدة أو القصة الشعرية التي تُعَدُّ من عيون الشعر العربي، ومع ذلك لم يأخذ مما يقول عبرةً، وظلَّ على إمساكه وبُخْله؟
يقول الحطيئة في وصف الكريم:
وَطَاوٍ ثَلاثاً عَاصٍب البَطْنِ مُرْملبِبَيْداءَ لمَ يَعرِف بها ساكِن رَسْما
أخِي جَفْوة فيه مِنَ الأُنْس وَحْشةٌيرى البُؤْسَ فِيها مِنْ شراسَتِه نُعْما
وأَفْردَ في شِعْبٍ عَجُوزاً إزَاءَهَاثلاثَة أشْباح تَخَالهوا بُهْما
حُفاةً عُراةً ما اغتذَوْا خُبْز مَلَّةولاَ عَرِفُوا للبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْما
رَأى شَبَحاً وَسْط الظَّلام فَرَاعَهفلمَّا رأى ضَيْفا تَشمَّر واهْتَما
فَقالَ ابنُه لما رَآهُ بحيْرةٍأيَا أبَتِ أذْبحْني ويَسِّر لَهُ طُعْما
وَلاَ تعتذر بالعُدْم على الذي طَرايظنُّ لَنَا مالاً فَيُوسِعُنا ذَمّا
فَبَيْنَا هُما عَنَّتْ على البُعْد عَانَةٌقَدِ انتظمتْ من خَلْفِ مِسْحلها نَظْما
عِطَاشاً تريد الماءَ فانسابَ نحوهاعَلى أنَّه مِنْها إلى دَمِها أظْمَا
فَأمْهلَها حتَّى تروَّتْ عِطَاشُهاوأرسلَ فِيهَا مِنْ كِنَانتِه سَهْما
فخرَّتْ نَحْوصٌ ذَات جحش سمينةًقَد اكتنزتْ لَحْماً وقد طبّقَتْ شَحْما
فَيَا بشْرَهُ إذْ جرَّهَا نحو قَومِهويَا بشْرهُمْ لما رأوْا كَلْمها يَدْمَا
وَبَاَتُوا كِراماً قَدْ قَضَوْا حَقَّ ضَيْفهِمْومَا غَرمُوا غُرْماً وقَدْ غَنموا غُنْما
وَباتَ أبُوهم من بَشَاشتِه أباًلِضَيْفهِمُ والأم مِنْ بِشرها أُمَّا
وصدق الله العظيم: ﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥٢٢٦] يصفون الكرم وهم بخلاء، والشجاعة وهو جبناء... إلخ.
وفي مرة، اجتمع عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اثنان من الشعراء: الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم فقال أحدهم عبارتين في مدح أحد الحاضرين بأنه سيد القبيلة. فغضب الممدوح ورأى أن هذا
قليل في حقَّه، فقال: والله يا رسول الله، إنه ليعلم مني فوق الذي قال يعني: لم يُوفِّني حقي فقال الشاعر: أما والله وقد قال ما قال، فإنه لضيق العطية، أحمق الأب، لئيم العم والخال. سبحان الله في أول المجلس كان سيد قبيلته، والآن هو ضيق العطية، أحمق الأب، لئيم العم والخال!!
ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبتُ في الأولى، ولقد صدقتُ في الثانية يعني: أنا مصيب في القولين لكني رضيت فقلت أحسنَ ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمتُ. عندها قال سيدنا رسول الله «إن من البيان لسحراً».
ثم يستثني الحق سبحانه من هؤلاء الغاوين: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى