تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
وشفَّع مذمتهم هذه بمذمة الكذب فقال :﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾، والعرب يتمادحون بالصدق ويعيرون بالكذب، والشاعر يقول ما لا يعتقد وما يخالف الواقع حتى قيل : أحسن الشعر أكذبه، والكذب مذموم في الدين الإسلامي فإن كان الشعر كذباً لا قرينة على مراد صاحبه فهو قبيح، وإن كان عليه قرينة كان كذباً معتذَراً عنه فكان غير محمود.
وفي هذا إبداء للبَون الشاسع بين حال الشعراء وحال النبي ﷺ الذي كان لا يقول إلا حقاً ولا يصانع ولا يأتي بما يضلّل الأفهام.
ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله :
فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍوبتُّ أفضّ أغلاق الختام
فقال سليمان : قد وجب عليك الحد. فقال : يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله :﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾. وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً :
مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلهابميسان يُسقى في زُجاج وحنتم
إلى أن قال :
لعل أميرَ المؤمنين يسوءهتنادُمُنا بالجَوْسَقِ المتهدم(١)
فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له : أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ، فقال : يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى :﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ فقال له عمر : أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت.
١ - الجوسق: القصر، كان أهل البطالة والخلاعة يأوون إلى القصور المتروكة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى