التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢٥:وقوله - تعالى - :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ تأكيد لما قبله، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون. والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية والمعرفة.
والوادى : هو المكان المتسع. والمراد به هنا : فنون القول وطرقه.
ويهيمون : من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون أن يعرف له جهة معينة يقصدها.
يقال : هام فلان على وجهه، إذا لم يكن له مكان معين يقصده. والهيام داء يستولى على الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف فى مكان معين، ومنه قوله - تعالى - :﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ أى : الجمال العطاش الشاردة.
والمعنى : ألم تر - أيها العاقل - أن هؤلاء الشعراء فى كل فن من فنون الكذب فى الأقوال يخوضون، وفى كل فج من فجاج الباطل والعبث والفحش يتكلمون، وأنهم فوق ذلك يقولون مالا يفعلون، فهم يحضون غيرهم على الشىء ولا يفعلونه، وهم يقولون فعلنا كذا وفعلنا كذا - على سبيل التباهى والتفاخر - مع أنهم لم يفعلوا.
قال صاحب الكشاف : ذكر الوادى والهيوم : فيه تمثيل لذهابهم فى كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو فى المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىء، ويفسقوا التقى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى