زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَ﴾ يعني التربية ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بني إِسْرائيلَ﴾ أي ؛ اتخذتهم عبيدا ؛ يقال عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته : إذا اتخذته عبدا.
وفي " أن " وجهان :
أحدهما : أن تكون في موضع رفع على البدل من " نعمة ".
والثاني : أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض، تقديره : لأن عبدت، أو لتعبيدك.
واختلف العلماء في تفسير الآية، ففسرها قوم على الإنكار، وقوم على الإقرار. فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام : أو تلك نعمة ؟ ! على طريق الاستفهام، ومثله ﴿هَذَا رَبّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقوله :﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] انشدوا :
لم أنس يوم الرحيل وقفتهاوجفنها من دموعها شرق
وقولها والركاب سائرةتتركنا هكذا وتنطلق
وهذا قول جماعة منهم، ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال :
أحدها : أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها، فأبطل موسى النعمة لأنها أموال بني إسرائيل، قاله الحسن.
والثاني : أن المعنى : إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي، وكانت أمي تستغني عن قذفي في اليم، فكأنك تمن علي بما كان بلاؤك سببا له، وهذا قول المبرد، والزجاج، والأزهري.
والثالث : أن المعنى : تمن علي بإحسانك إلي خاصة، وتنسى إساءتك بتعبيدك بني إسرائيل ؟ ! قاله مقاتل.
والرابع : أن المعنى : كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي ؟ ! ومن أهين قومه ذل، فقد حبط إحسانك إلي بتعبيدك قومي، حكاه الثعلبي.
فأما من فسرها على الإقرار، فإنه قال : عدها موسى نعمة حيث رباه ولم يقتله ولا استعبده. فالمعنى : هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل ؛ ف " أن " تدل على المحذوف، ومثله في الكلام- أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك- : هذه نعمة علي أن ضربت فلانا وتركتني، ثم تحذف " وتركتني "، لأن المعنى معروف، هذا قول الفراء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى