البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ﴿قال﴾ عليه السلام :﴿ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين﴾ أي : هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي : وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال :﴿ورب آبائكم﴾ ؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري : لم يجحد موسى حقَّ التربية والإحسانَ إليه في الظاهر، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر الله بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين تُوجب حقاً، فتربية الله أولى بأن يعَظِّمَ العبدُ قَدْرَها. هـ. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره ؛ بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله.
وقول فرعون :﴿وما رب العالمين﴾ : سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى :﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئاً، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين تَرَق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبداً، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى