اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُوا ما أَنتُمْ مُلْقُونَ﴾. اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له :﴿إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: ١١٥] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم(١) فقدمهم على نفسه، وقال :﴿أَلْقُوا مَا أَنتُمْ مُلْقُونَ﴾(٢). فإن قيل : كيف جاز لموسى - عليه السلام(٣) - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز ؟ فالجواب : ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام(٤) - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا(٥) على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه :
أحدها : أن ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله :﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أي : إن كنتم قادرين.
وثانيها : لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها : أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي(٦) : إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل :«لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن » ثم يفوق(٧) له السهم فيقول له :«ارم » فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها : أنهم لما تواضعوا(٨) ( له )(٩) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب(١٠).
١ في ب: هو لهم أيضاً..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٣٣..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ في ب: ولا يقدمون..
٦ في ب: أو. وهو تحريف..
٧ فاق السهم: وضع فوقه في الوتر ليرقى به. اللسان (فوق) المعجم الوسيط (فوق) ٢/٧٣٢..
٨ في الأصل: تواضعوه..
٩ له: تكمله من الفخر الرازي..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٣٣-١٣٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى