مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله :﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين﴾ من تمام قوله :﴿إن نشأ ننزل عليهم﴾. فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث يأتيهم حالا بعد حال بالقرآن، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد. فلذلك قال :﴿فقد كذبوا﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:المسألة الثانية : أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولا وبالتكذيب ثانيا وبالاستهزاء ثالثا وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة، فإنه يعرض أولا ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ به ثالثا.
المسألة الثالثة : فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم ؟ قلت : قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع رتبه على كمال قدرته، فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال :﴿إن في ذلك لآية﴾ وهلا قال لآيات ؟ قلت فيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية. والثاني : أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
المسألة الرابعة : احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى :﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث﴾ فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى :﴿وهذا ذكر مبارك﴾ وبين في هذه الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث، وهذا الاستدلال بقوله تعالى :﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا﴾ وبقوله :﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقا لا محالة والجواب : أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها. إنما ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف، وليس في الآية دلالة على ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى