الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
وإنما قال :﴿عَدُوٌّ لِى﴾ تصويراً للمسألة في نفسه، على معنى : أني فكرت في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أوّلاً وبني عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا : ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه، ليكون ادعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال : فإنه عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنّه دخل في باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للنصوح ما لا يبلغه التصريح ؛ لأنه يتأمّل فيه، فربما قاده التأمّل إلى التقبل. ومنه ما يحكى عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناساً يتحدثون في الحجر فقال : ما هو ببيتي ولا بيتكم. والعدوّ والصديق : يجيئان في معنى الوحدة والجماعة. قال :
وَقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍأَرَاهُمْ عَدُوًّا وَكَانُوا صَدِيقَا
ومنه قوله تعالى :﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] شبها بالمصادر للموازنة، كالقبول والولوع، والحنين والصهيل ﴿إِلاَّ رَبَّ العالمين﴾ استثناء منقطع، كأنه قال : ولكن رب العالمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى