روح البيان — إسماعيل حقي

عن الكتاب
وادعى اتقاء التشبيه وقع فى التعطيل ومن ارتقى عن الظاهر وادعى اتقاء التعطيل حصل على التشبيه واخطأ وجه الدليل وعلى الله قصد السبيل وفى التأويلات النجمية أن قوما وقعوا فى تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون والمكان وأقبح قولا منهم من وصفه بالجوارح والآلات وقوم وصفوه بما هو تشبيه فى الصفات فظنوا أن بصره فى حدقة وسمعه فى عضو وقدرته فى يد الى غير ذلك وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا ما يكون من الحق قبيحا فمنه قبيح وما يكون من الخلق حسنا فمنه حسن فهؤلاء كلهم اصحاب التشبيه والحق تعالى مستحق التنزيه لا التشبيه محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل مستحق التوحيد دون التحديد موصوف بكمال الصفات مسلوب عن العيوب والنقصان لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال الجواليقي فى كتابه المعرب المقليد المفتاح فارسى معرب لغة فى الاقليد والجمع مقاليد فالمقاليد المفاتيح وهى كناية عن الخزائن وقدرته عليها وحفظه لها وفيه مزيد دلالة على الاختصاص لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها الا من بيده مفاتيحها (وقال الكاشفى) كليدهاى آسمانها وزمينها يعنى مفاتيح رزق چهـ خزانه آسمان مطر است وكنجينه زمين نبات قال ابن عطاء مقاليد الأرزاق صحة التوكل ومقاليد القلوب صحة المعرفة بالله ومقاليد العلوم فى الجوع
ندارند تن پروران آگهىكه پر معده باشد ز حكمت تهى
وقال بعضهم مقاليد سمواته ما فى قلوب ملائكته من احكام الغيوب ومقاليد ارضه ما أودع الحق صدور أوليائه من عجائب القلوب يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يوسع ويضيق إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مبالغ فى الإحاطة به فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغى ان يفعل عليه فلا يوسع الرزق الا إذا علم أن سعته خير للعبد وكذا التضييق وفى التأويلات النجمية له مفاتيح سموات القلوب وفيها خزآئن لطفه ورحمته وارض النفوس وفيها خزآئن قهره وعزته فكل قلب مخزن لنوع من الطافه فبعضها مخزن المعرفة وبعضها مخزن المحبة وبعضها مخزن الشوق وبعضها مخزن الارادة وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والانس والرضى وغير ذلك وكل نفس مخزن لنوع من أوصاف قهره فبعضها مخزن النكرة وبعضها مخزن الجحود وبعضها مخزن الإنكار وغير ذلك من الأخلاق الذميمة كالشرك والنفاق والحرص والكبر والبخل والشره والغضب والشهوة وغير ذلك وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع أفكار العباد من الخلق اليه فى جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه فانه تعالى يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب والخلق بمعزل عن هذا الوصف وفى الحديث لا اله الا الله مفتاح الجنة ولا شك أن الجنة جنتان جنة صورية هى دار النعيم وجنة معنوية هى القلب ومفتاح كليتهما هو التوحيد وهو بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ويجعله من اهل النعيم مطلقا ثم ان الرزق الصوري هى المأكولات والمشروبات الحسية والرزق المعنوي هى العلوم الحقيقية والمعارف الالهية فالاول داخل فى الآية بطريق العبارة والثاني بطريق الاشارة (وفى المثنوى)
فهم نان كردن نه حكمت اى رهىزانكه حق كفتت كلو من رزقه
رزق حق حكمت بود در مرتبتكان كلو كيرت نباشد عاقبت
اين دهان بستى دهانى باز شدكه خورنده لقمهاى راز شد
كر ز شير ديو تن را وا برىدر فطام او بسى حكمت خورى
نسأل الله فيضه وعطاه بحق مصطفاه شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ شرع بمعنى سن وجعل سنة وطريقا واضحا اى سن الله لكم يا امة محمد من التوحيد ودين الإسلام واصول الشرائع والاحكام وبالفارسية وراه روشن ساخت شمار از دين ما وَصَّى بِهِ نُوحاً التوصية وصيت كردن وفرمودن والوصية التقدم الى الغير بما يعمل به مقترنا يوعظه اى امر به نوحا امرا مؤكدا فان التوصية معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به قدم نوح عليه السلام لأنه أول أنبياء الشريعة فانه أول من اوحى اليه الحلال والحرام وأول من اوحى اليه تحريم الأمهات والأخوات والبنات وسائر ذوات المحارم فبقيت تلك الحرمة الى هذا الآن وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ اى وشرع لكم الذي أوحينا الى محمد عليه السلام وتغيير التوصية الى الإيحاء فى جانب النبي صلى الله وسلم للتصريح برسالته القامع لانكار الكفرة والالتفات الى نون العظمة لاظهار كمال الاعتناء بايحائه وهو السر فى تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا وتقديم توصية نوح للمسارعة الى بيان كون المشروع لهم دينا قديما والتعبير بالأصل فى الموصولات وهو الذي للتعظيم وتوجيه الخطاب اليه عليه السلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى وجه تخصيص هؤلاء الخمسة بالذكر انهم أكابر الأنبياء ومشاهيرهم من اولى العزم واصحاب الشرائع العظيمة والاتباع الكثيرة أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ محله النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه او رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع المشترك بين هؤلاء الرسل فقيل هو اقامة الدين اى دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والايمان بكتبه ورسله وباليوم الآخر وسائر ما يكون الرجل به مؤمنا والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من ان يقع فيه زيغ او المواظبة عليه والتشمر له وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ فى الدين الذي هو عبارة عن الأصول والخطاب متوجه الى أمته عليه السلام فهذه وصية لجميع العباد واعلم أن الأنبياء عليهم السلام مشتركون ومتفقون فى اصل الدين وجميعهم أقاموا الدين وقاموا بخدمته وداموا بالدعوة اليه ولم يتخلفوا فى ذلك وباعتبار هذا الاتفاق والاتحاد فى الأصول قال الله تعالى ان الدين عند الله الإسلام من غير تفرقة بين نبى ونبى ومختلفون فى الفروع والاحكام قال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وهذا لاختلاف الناشئ من اختلاف الأمم وتفاوت طبائعهم لا يقدح فى ذلك الاتفاق ثم امر عباده باقامة الدين والاجتماع عليه ونهاهم عن التفرق فيه فان يد الله ونصرته مع الجماعة وانما يأكل الذئب الشاة البعيدة النافرة والمنفردة عن الجماعة اوصى حكيم أولاده عند موته وكانوا جماعة فقال لهم ائتوني بعصى فجمعها فقال لهم اكسروها وهى مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقها فقال خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها
فقال لهم هكذا أنتم بعدي لن تغلبوا ما اجتمعتم فاذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فاهلككم وكذا القائمون بالدين إذا اجتمعوا على إقامته ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدو وكذا الإنسان فى نفسه إذا اجتمع فى نفسه على اقامة الدين لم يغلبه شيطان من الانس والجن بما يوسوس به اليه مع مساعدة الايمان والملك بإقامته له قال على رضى الله عنه لا تتفرقوا فان الجماعة رحمة والفرقة عذاب وكونوا عباد الله إخوانا قال سهل الشرائع مختلفة وشريعة نوح هو الصبر على أذى المخالفين انتهى فعلى هذا فشريعة ابراهيم عليه السلام هو الانقياد والتسليم وشريعة موسى عليه السلام هو الاشتياق الى جمال الرب الكريم وشريعة عيسى عليه السلام هو الزهد والتجرد العظيم وشريعة نبينا عليه السلام هو الفقر الحقيقي المغبوط عند كل ذى قلب سليم كما قال اللهم أغنني بالافتقار إليك وهذه الشرائع الباطنة باقية ابدا ومن اصول الدين التوجه الى الله تعالى بالكلية فى صدق الطلب وتزكية النفس عن الصفات الذميمة وتصفية القلب عن تعلقات الكونين وتخلية الروح بالأخلاق الربانية ومراقبة السر لكشف الحقائق وشواهد الحق وكان نبينا عليه السلام قبل البعثة متعبدا فى الفروع بشرع من قبله مطلقا آدم وغيره وفى كلام الشيخ الأكبر قدس سره
الأطهر تعبده عليه السلام قبل نبوته كان بشريعة ابراهيم عليه السلام حتى جاءه الوحى وجاءته الرسالة ولم يكن على ما كان عليه قومه باتفاق الائمة واجماع الامة فالولى الكامل يجب عليه متابعة العمل بالشريعة المطهرة حتى يفتح الله له فى قلبه عين الفهم عنه فيلهم معانى القرآن ويكون من المحدثين بفتح الدال ثم يصير الى ارشاد الخلق (وفى المثنوى)
لوح محفوظست او را پيشوااز چهـ محفوظست محفوظ از خطا
نى نجومست ونه رملست ونه خوابوحي حق والله اعلم بالصواب
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اى عظم وشق عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يا محمد من التوحيد ورفض عبادة الأصنام واستبعدوه حيث قالوا أجعل الآلهة الها واحدا ان هذ الشيء عجاب وقال قتادة شهادة ان لا اله الا الله وحده ضاق بها إبليس وجنوده فابى الله الا ان يظهرها على من ناواها اى عاداها اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ قال الراغب جبيت الماء فى الحوض جمعته والحوض الجامع له جابية ومنه استعير جبيت الخراج جباية والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء وهو هنا مأخوذ من الجباية ونهى جلب الخراج وجمعه لمناسبة النهى عن التفرق فى الدين ولأن الاجتباء بمعنى الاصطفاء لا يتعدى بالى الا باعتبار تضمين معنى الضم والصرف والمعنى الله يجتلب الى ما تدعوهم اليه من يشاء ان يجتلبه اليه وهو من صرف اختياره الى ما دعى اليه وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد والتوفيق وامداد الألطاف مَنْ يُنِيبُ يقبل اليه ويجوز ان يكون الضمير لله فى كلا الموضعين فالمعنى الله يجمع الى جنابه على طريق الاصطفاء من يشاء من عباده بحسب استعداده ويهدى اليه بالعناية من ينيب واجتباء الله تعالى العبد تخصيصه إياه بفيض الهى يتحصل منه انواع من النعم بلا سعى من العبد وذلك للانبياء عليهم السلام ولبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء (قال الكاشفى) يعنى هر كه از همه اعراض كند وحق را خواهد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى