فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الخطاب في قوله :﴿شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين﴾ لأمة محمد ﷺ، أي بين وأوضح لكم من الدين ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ من التوحيد، ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب ﴿والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآن، وشرائع الإسلام، والبراءة من الشرك، والتعبير عنه بالموصول لتفخيم شأنه، وخص ما شرعه لنبينا ﷺ بالإيحاء مع كون ما بعده، وما قبله مذكوراً بالتوصية للتصريح برسالته ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ مما تطابقت عليه الشرائع. ثم بيّن ما وصى به هؤلاء، فقال :﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ أي توحيد الله، والإيمان به، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، وأن هي المصدرية، وهي وما بعدها في محل رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، كأنه قيل : ما ذلك الذي شرعه الله ؟ فقيل : هو إقامة الدين، أو هي في محل نصب بدلاً من الموصول، أو في محل جرّ بدلاً من الدين، أو هي المفسرة، لأنه قد تقدمها ما فيه معنى القول. قال مقاتل : يعني أنه شرع لكم، ولمن قبلكم من الأنبياء ديناً واحداً. قال مقاتل : يعني التوحيد. قال مجاهد : لم يبعث الله نبياً قط إلاّ وصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقال قتادة : يعني تحليل الحلال، وتحريم الحرام، وخصّ إبراهيم، وموسى، وعيسى بالذكر مع نبينا ﷺ ؛ لأنهم أرباب الشرائع. ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين، نهاهم عن الاختلاف فيه، فقال :﴿وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ أي لا تختلفوا في التوحيد، والإيمان بالله، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شقّ على المشركين، فقال :﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي عظم، وشق عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد، ورفض الأوثان. قال قتادة : كبر على المشركين، واشتدّ عليهم شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده، وضاق بها إبليس، وجنوده، فأبى الله إلاّ أن ينصرها، ويعليها، ويظهرها، ويظفرها على من ناوأها. ثم خصّ أولياءه، فقال :﴿الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء﴾ أي : يختار والاجتباء الاختيار، والمعنى : يختار لتوحيده، والدخول في دينه من يشاء من عباده. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أي يوفق لدينه، ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن السدّي ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ قال : اعملوا به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ قال : ألا تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، قال : استكبر المشركون أن قيل لهم : لا إله إلاّ الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء﴾ قال : يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ﴾ قال : هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال : هم قوم من أهل الضلالة، وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله﴾ الآية، قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : لما نزلت :﴿إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين : قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فنزلت :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله﴾ الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى