فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿والذين استجابوا لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه، وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة. قال ابن زيد : هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيباً منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها ﴿وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ﴾ أي يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي. والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والذكرى. قال الضحاك : هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله ﷺ، وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له. وقيل : المراد تشاورهم في كلّ أمر يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، وما أحسن ما قاله بشار بن برد :
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنبرأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفريش الخوافي قوّة للقوادم
وقد كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في أموره، وأمره الله سبحانه بذلك، فقال :﴿وَشَاوِرْهُمْ في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد قدّمنا في آل عمران كلاماً في الشورى ﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ أي ينفقونه في سبيل الخير، ويتصدّقون به على المحاويج.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، وابن راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن عليّ بن أبي طالب قال : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها رسول الله ﷺ :﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، وسأفسرها لك يا عليّ :«ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه» وأخرج عبد بن حميد، والترمذي عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال :«لا يصيب عبداً نكبة، فما فوقها أو دونها إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» وقرأ :﴿وَمَا أصابكم﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الكفارات، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين : أنه دخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فقال : إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال : فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية :﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ﴾ إلى آخرها. وأخرج أحمد عن معاوية بن أبي سفيان : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلاّ كفر الله عنه به من سيئاته» وأخرج ابن مردويه عن البراء قال : قال رسول الله ﷺ :«ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلاّ بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر» وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله :﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ﴾ قال : يتحرّكن ولا يجرين في البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : رواكد قال : وقوفاً ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ قال : يهلكهن. وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن مردويه عن عائشة، قالت : دخلت عليّ زينب، وعندي رسول الله ﷺ، فأقبلت عليّ، فسبتني، فردعها النبي ﷺ، فلم تنته، فقال لي :«سبيها، فسببتها حتى جفّ ريقها في فمها، ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سروراً» وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«المستبان ما قالا من شيء، فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم»، ثم قرأ :﴿وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا﴾. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي : ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلاّ من عفا في الدنيا» وذلك قوله :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾. وأخرج البيهقي عن أنس، عن النبي ﷺ قال :«ينادي منادٍ من كان له أجر على الله، فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من عفا عن أخيه» قال الله :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى