الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
وقوله :﴿كذلك يوحى﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ولا موضع للكاف الثانية، واسم الله رفع ( بيوحي )(١).
وقيل : معنى الآية : إنه لم ينزل كتاب من عند الله إلا وفيه حم عسق.
فالمعنى على هذا : كالذي أوحي إليك(٢) من هذه السورة، أوحي إلى الذين من قبلك من الرسل. وهذا مذهب الفراء.
وقرأ ابن كثير(٣) :﴿كذلك يوحي إليك﴾ ( على ما لم )(٤) يسم فاعله.
فيكون الوقف على هذه القراءة :﴿من قبلك﴾ ثم يبتدئ(٥) :﴿الله العزيز الحكيم﴾(٦) على الابتداء، والخبر، وإن شئت على الابتداء والصفة، أو يكون ﴿له ما في السموات﴾ الخبر(٧).
وروى الشموني(٨) عن أبي بكر :( نوحي ) بالنون. فتقف أيضا على ﴿من قبلك﴾ ثم تبتدئ ( الله ) على ما قد ذكرنا(٩).
وقد يجوز على قراءة ابن كثير أن يرتفع على فعل مضمر كأنه قيل : من يوحى(١٠) ؟ فقيل : يوحي الله(١١) كقول الشاعر :
لِيُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لِخُصُومَةٍ(١٢) ***...
كأنه قال(١٣) : لبيك يزيد. قيل : من يبكيه/ قيل : يبكيه ضارع لخصومة(١٤).
قال قتادة : حم عسق اسم من أسماء الله.
وروى حذيفة أنها نزلت في رجل يكون من بني هاشم(١٥) من أهل بيت ابن(١٦) عباس يقال له عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق(١٧) يبني عليه مدينتان(١٨)، يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذِن(١٩) الله في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم ومدتهم(٢٠) بعث(٢١) على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مدينة مكانها(٢٢) وتصبح(٢٣) صاحبتها متعجبة كيف أفلتت فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجمع الله(٢٤) فيها كل جبار منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك قوله :﴿حم عسق﴾ يعني : عزيمة ( من الله )(٢٥) وقضاء.
سين، يعني : سيكون. قاف، يعني : واقعا(٢٦) بهاتين المدينتين(٢٧).
وروى عن ابن عباس أنه قرأ ( حم سق ) بغير عين(٢٨)، وكان يقول : إن السين كل فرقة كائنة، وأن القاف كل جماعة(٢٩) كائنة.
ويقول(٣٠) : إن عليا رضي الله عنه إنما كان يعلم الفتن بها(٣١).
وفي مصحف عبد الله :﴿حم عسق﴾ بغير عين كقراءة ابن عباس(٣٢).
ومعنى ﴿العزيز﴾ أي : العزيز في انتقامه من أعدائه ﴿الحكيم﴾ في تدبيره خلقه(٣٣).
١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٤٤، وإعراب النحاس ٤/٧١..
٢ (ت): الله..
٣ هو عبد الله بن كثير الداري المكي أبو معبد، تابعي، أحد القراء السبعة وإمام أهل مكة في القراءة، روي عن ابن عباس توفي سنة ١٢٠ هـ.
انظر حجة القراءات ٥٢، والتقريب ١/٤٤٢ ت ٥٦٠، وغاية النهاية ١/٤٤٣ ت ١٨٥٢..

٤ (ت): (هذا ما) و(ح) (على من)..
٥ (ح) (تبتدئ)..
٦ انظر الكشف ٢/٢٥٠، وحجة القراءات ٦٣٩، والسبعة ٥٨٠، وسراج القارئ ٣٤٤، والجواهر الحسان (٥)، والقول الفصل (ظهر ١٠٤ط) وكتاب الراضي في القراءات (ظهر ١١٨)، وكتاب مجهول في القراءات بالصبيحة (ظهر ٥٠).
وأورد ابن عطية في المحرر الوجيز هذه القراءة عن ابن كثير ومجاهد ١٤/٢٠٢..

٧ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٤٤، والقطع والإئتناف ٦٣٨، وإعراب النحاس ٤/٧١، والمكتفى ٥٠١، والبيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٤٤، ومنار الهدى ٢٨١..
٨ (ح): الشمولي..
٩ انظر المكتفى ٥٠١، والمحرر الوجيز ١٤/٢٠٢، والمقصد ٧٦، وجاء في المحرر الوجيز أن راوي هذه القراءة عن أبي بكر عن عاصم هما أبو حيوة والأعشى. ١٤/٢٠٢..
١٠ (ت): نوحي..
١١ انظر إعراب النحاس ٤/٧١..
١٢ هذا من قول الحارث بن نهيك، وعجزه: ومختبط مما تطيح الطوائح. انظر: الكتاب ١/٢٨٨ و ٣٦٦ و٣٩٨. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد.
والضارع: الذليل، ومختبط: محتاج، وتُطيح: تذهب وتهلك. والشاهد فيه رفع المضارع بإضمار فعل دل عليه ما قبله.
وانظر البيت في جامع القرطبي ٧/٩٢، والبيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٤٤، واللسان (مادة: طوح). وهذا البيت من البحر الطويل..

١٣ (ت): (لا قال)..
١٤ ساقط من (ح)..
١٥ بنو هاشم بطن من قريش، كانوا متقاسمين مع عبد شمس رياسة بني عبد مناف، فكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم، وكان هاشم أول من سن رحلتي الشتاء والصيف.
انظر نهاية الأرب ٤٣٥، ومعجم القبائل ٣/١٢٠٧..

١٦ ساقط من (ح)..
١٧ في طرة (ح)..
١٨ (ح): مدينتين..
١٩ (ت): أذان..
٢٠ (ت): ومدينتهم و(ح) و(مدنهم). والتصويب من جامع البيان وتفسير ابن كثير..
٢١ (ح): الله عز وجل..
٢٢ ساقط من (ت)..
٢٣ (ت): (وأصبح).
هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله. واليمان لقب أبيه حسل. صحابي جليل من السابقين. روى عنه الأسود بن يزيد وأبو الطفيل. توفي سنة ٣٦ هـ.
انظر صفة الصفوة ١/٦١٠ ت، والحلية ١/٢٧٠ ت ٤٢، والإصابة. ١/١٧ ت ١٦٤٧..

٢٤ ساقط من (ح)..
٢٥ في طرة (ت)..
٢٦ (ت): (لعله واقعا)..
٢٧ انظر جامع البيان ٢٥/٥، والمحرر الوجيز ١٤/٢٠٢، وجامع القرطبي ١٦/٢، وتفسير ابن كثير ٤/١٠٦، وتفسير مجهول بالحفيانية (٥).
وقد قال ابن كثير معلقا على هذا القول: وهذا أثر غريب عجيب منكر..

٢٨ انظر المحرر الوجيز ١٤/٢٠٢، وجامع القرطبي ١٦/١، ووردت في معاني الزجاج مجهولة الراوي ٤/٣٩٣..
٢٩ (ت): ساعة..
٣٠ (ت): ويقال..
٣١ انظر معاني الفراء ٣/٢١، وجامع البيان ٢٥/٥، والمحرر الوجيز ١٤/٢٠٢، وجامع القرطبي ١٦/١..
٣٢ انظر معاني الفراء ٣/٢١، وجامع البيان ٢٥/٥، والمحرر الوجيز ١٤/٢٠٢، وجامع القرطبي ١٦/١..
٣٣ فوق السطر في (ت)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى