المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
قال قتادة وفريق من الناس : إن قوله :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ناسخ لقوله :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾(١) [آل عمران: ١٠٢]، وروي أن الأمر بحق التقاة نزل، فشق ذلك على الناس حتى نزل :﴿ما استطعتم﴾، وذهبت فرقة منهم أبو جعفر النحاس إلى أنه لا نسخ في الآيتين، وأن قوله :﴿حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] مقصده «فيما استطعتم »، ولا يعقل(٢) أن يطيع أحد فوق طاقته واستطاعته، فهذه على هذا التأويل مبينة لتلك، وتحتمل هذه الآية أن يكون :﴿فاتقوا الله﴾ مدة استطاعتكم التقوى، وتكون :﴿ما﴾ ظرفاً للزمان كله كأنه يقول : حياتكم وما دام العمل ممكناً، وقوله :﴿خيراً﴾ ذهب بعض النحاة إلى أنه نصب على الحال وفي ذلك ضعف، وذهب آخرون منهم إلى أنه نصب بقوله :﴿وأنفقوا﴾ قالوا والخبر هنا : المال، وذهب فريق منهم إلى أنه نعت لمصدر محذوف، تقديره : إنفاقاً ﴿خيراً﴾، ومذهب سيبويه : أنه نصب بإضمار فعل يدل عليه ﴿أنفقوا﴾.
وقرأ أبو حيوة :«يوَقّ » بفتح الواو وشد القاف، وقرأ أبو عمرو «شِح » بكسر الشين، وقد تقدم القول في ﴿شح﴾ النفس ما هو في سورة الحشر. وقال الحسن : نظرك لامرأة لا تملكها شح، وقيل : يا رسول الله : ما يدخل العبد النار ؟ قال :«شح مطاع، وهوى متبع، وجبن هالع، وإعجاب المرء بنفسه )، ذكره النقاش(٣)، والحديث في المصنفات أن النبي ﷺ قال :( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك »(٤).
١ من الآية (١٠٢) من سورة (آل عمران)..
٢ في بعض النسخ:"ولا يقصد"..
٣ وأخرج البخاري في تاريخه، وأبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:(شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع)، ذكر ذلك السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بأنه حديث حسن، وزاد في "الدر المنثور" نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي..
٤ أخرجه الترمذي في التفسير، وأبو داود في الملاحم، وابن ماجه في الفتن..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى