تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾[ اختلف فيه أيضا ](١) : فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله ﷺ لأن رسول الله ﷺ قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يكن يحتاج إلى التكفير لإزالة المآثم.
ولكن نحن نقول : إن رسول الله ﷺ وإن كان هذا تحلة، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته : ما تقدم [ منها ](٢) وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة ونحو ذلك. فيكون قوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ منصرفا إلى النبي وأمته.
ثم يجوز أن يكون رسول [ الله قصد ](٣) إلى التحريم، أعني منع نفسه عن الانتفاع بهذا مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين، فجعل الله تعالى ذلك منه يمينا، فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين. ¨
ولهذا قال أصحابنا، رحمهم الله : إن من قال لإمرأته : أنت حرام علي، ولا نية له، فهو يمين.
وجائز أن يكون أفصح بالحلف، فكنّى عنه باليمين.
ثم قوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ على قراءة العامة. وفي بعض القراءات ﴿قد فرض الله﴾ كفارة(٤)﴿أيمانكم﴾.
ووجه الفرض فيه أن الأمم من قبل، لم يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة.
ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ { ص : ٤٤ ] فلم يأذن له بالحنث، وأباح له الضرب، ثم أباح بهذه الآية حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة { مرة ](٥) ومرة إلى إحلالها بنفسها من جهة الحنث.
ثم قوله تعالى :﴿قد فرض الله لكم﴾ أي وسع عليكم، وأحل لكم ﴿تحلة أيمانكم﴾.
ففي هذا أن كل ما ذكر فيه :﴿كتب لهم﴾ { التوبة : ١٢٠، و ١٢١ ] أي فرض لكم فهو موضع الإباحة والتوسع وما ذكر { عليكم } فهو على الإيجاب والإلزام، قال الله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام﴾ { البقرة : ١٨٣ ] وقال { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } { البقرة ١٨٠ ] وذلك كله في موضع الوجوب.
وقال الله تعالى :﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ { المائدة ٢١ ] معناه أباح لكم الدخول فيها.
وقوله تعالى :﴿والله مولاكم﴾ أي أولى بكم في ما امتحنكم من الكفارة وغيرها، أو أولى بكم في نصركم / ٥٨٧-ب / والدفع عنكم.
وقوله تعالى :﴿وهو العليم الحكيم﴾ أي العليم بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرّون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلّة الأيمان، والله اعلم.
ثم في قوله :﴿العليم﴾ إلزام المراقبة والمحافظة ودعائه إلى التبصر والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.
وفي قوله :﴿الحكيم﴾ دعاء إلى التسليم بحكم الله تعالى، إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة فألزمه (٦) تسليم النفس بعلمه (٧) على وجه الحكمة فيه أو جهله.
ثم الأصل بعد هذا أن رسول الله ﷺ أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن، ويبتغي مرضاتهن. والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القيام بمرضاتهن جميعا، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع ؟.
فكانت المحنة على رسول الله ﷺ في أمر النساء أعسر منه على غيره وأمر مع هذا أيضا بمعاملة مع اختلاف همهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله تعالى لما امتحنه بما ذكرناه (٨)آتاه من الأخلاق والشمائل المرضية ما خفف بها عليه هذه المحنة، وسهّل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن { قال عز وجل ](٩){ عبس وتولى } [عبس: ١] وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة حتى [ قال الله عز وجل ](١٠) ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ { فاطر : ٨ ] وقال :{ وإنك لعلى خلق عظيم } { القلم : ٤ ].
وكان من عظيم خلقه بما جاوز خلقه قوة نفسه { حتى كادت ](١١) نفسه تهلك فيه، ثم في قيامه عليه السلام بوفاة حقوق التسع وإرضائهن دلالة نبوته ورسالته، لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من الأطعمة والأغذية، ثم هم مع إصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفترون عن إيفاء حقوقهن. وقد كان رسول الله ﷺ آثر الزهد في الدنيا وقلة رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن. فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قوّاه الله عليه، وأقدره، لا بالحيل والأسباب.
ثم أزواج رسول الله ﷺ امتحن بالقيام بوفاء حق رسول الله ﷺ وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن، لأن المرأة قلما تسلم من رفع صوتها على صوت زوجها، إذا لم تكن له امرأة سواها. فكيف إذا كانت معها أخرى ؟
ثم هن لو رفعت أصواتهن على صوت رسول الله أوجب ذلك إحباط عملهن على ما قال تعالى :﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون﴾ { الحجرات : ٢ ] فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله صدروهن وبفسخ قلوبهن لاحتمال ذلك.
ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما لأنا امتحنّا بمعرفة ما تضمنته الآية والاعتقاد بذلك، وهي قوله :﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ { التحريم : ١ ] فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر على وجه لا يلحق برسول الله ﷺ، فنسلم من المؤاخذة.
فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله ﷺ فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.
وجائز أن يكون العتاب لمكان مارية { إن كانت ] (١٢)قصة التحريم من أجلها، لأن رسول الله ﷺ لمّا أذن له بإمساك مارية، ولم ينذب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما يتوصل إلى تسكين شهوتها برسول الله ﷺ ثم بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة، لا حظ لها في القسم، فيلحقه العتاب في هذه الجهة.
ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طعمها { قال له عز وجل ] (١٣){ لم تحرم ما أحل الله لك } { التحريم : ١ ] أي لما تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباح الله لها قضاء تلك الشهوة، فيكون في العتاب دعاء إلى أن يعمل بأخير الوجهين وأخيرهما أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها في ما طمعت حق، والله أعلم.
والمحنة الثانية علينا ألا ننسب إلى أزواج رسول الله ﷺ ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات، لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكننا أن نخرج من أمرهن وجها، يسلم { من ] (١٤) تنقصهن، فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره خشية التنقص وترك التبجيل والتعظيم.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ { النور : ١٢ ] وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله ﷺ { وألا يرضى ] (١٥) عنهن إلا خيرا، وألا { ينظر إليهن ] (١٦) إلا بعين التعظيم، وقوله (١٧) أيضا { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } { النور : ١٦ ].
وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن : كانت كيت بما يتوهم أن تكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا، فنكون قد أعظمنا القول فيهن، فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم كما قال عز وجل :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ { النور : ١ ]
ولقائل أن يقول في قوله :﴿هذا بهتان عظيم﴾ { النور : ١٦ ] من أي وجه صار بهتانا عظيما. ونساء رسول الله ﷺ لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به ؟
فجوابه أن أزواجه كن بالمحل الذي كن ابتلين بزلة سرا وجهرا، أطلع الله تعالى على ذلك نبيه عليه السلام.
ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله ﷺ إلى أخرى أطلع الله تعالى نبيه على ذلك ؟ وإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن ؟ فلو وجد من التي رميت فعل الزنى لكان يسبق الإطلاع من الله تعالى لرسوله ﷺ قبل أن يجري به التحادث على ألسن الخلق. فإن لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.
وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله ﷺ إلا بإذن سبق من الله تعالى : إذ لو كان الإذن سابقا لما عوتب عليه.
ثم قد ذكرنا [ أنه ](١٨) لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤونة في العشرة.
ثم الأصل أن الإماء، لا حظ لهن في القسم، وليس لهن من الآثام ما يكون مثله في الحرائر حتى كان يقسم لها، فيؤدي فيه حقها. وقد أذن له في إمساكها وألا يتزوجها، فلا يجوز ألا يؤمن بتزويجها ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين /٥٧٩ أ/شهوتها في نوبة ذلك اليوم لزوجة من زوجاته.
فجائز أن يكون الله تعالى أكرمه أن يسكن شهوتها، ويأتيها من حيث لا يعلمه أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد(١٩) العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله ﷺ وألا يحملن العنوة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص، إذ لم يكن عليهن في ما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن، إذ كان رسول الله ﷺ أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جملة نسائه في ليلة واحدة.
وأما ما ذكر أن رسول الله ﷺ كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضا، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن، لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله ﷺ في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه، فيحملهن ذلك على ما ذكر﴿فقد صغت قلوبكما﴾[التحريم: ٤].
١ اقطة من الأصل و م..
٢ اقطة من الأصل و م..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ انظر معجم القراءات ج ٧/١٧٥.
٥ في الأصل وم: فلزمه..
٦ في الأصل وم: فلزمه.
٧ في الأصل وم: بحكمه..
٨ من، في الأصل: ذكره.
٩ في الأصل وم: قيل..
١٠ في الأصل وم: قيل له.
١١ في الأصل وم: فكادت..
١٢ من م ساقطة من الأصل..
١٣ في الأصل: فقيل لها، في م: فقيل له..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل وم: ويرضى..
١٦ من م، في الأصل: ينظرون..
١٧ في الأصل وم: وقال..
١٨ ساقطة من الأصل و م..
١٩ أدرج قبلها في الأصل: من..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى