فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿سئلت بأي ذنب قتلت﴾ وقد كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة والإملاق، وخشية الاستراق، يقال وأد يئد فهو وائد والمفعول به موؤود، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن فيطرح عليها التراب فيثقلها فتموت، ومنه ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ أي لا يثقله وهنا قول متمم بن نويرة * ومؤودة مقبورة في مغارة * ومنه قول الراجز :
سميتها إذ ولدت تموتوالقبر صهر ضامن رميت
قرأ الجمهور " المؤودة " بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة، وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ الأعمش المودة بزنة الموزة، وقرأ الجمهور سئلت مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من سال يسيل، وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس سألت مبنيا للفاعل، وقتلت بضم التاء الأخيرة، وهذه قراءة شاذة.
والمعنى على الأول أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كأنه لا يستحق أن يخاطب ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد بصرف الخطاب كقوله ﴿أأنت قلت للناس﴾ وهذه الطريقة أفظع في ظهور جناية القاتل وإلزام الحجة عليه.
قال الحسن أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب، وقيل لتدل على قاتلها وقيل لتقول بلا ذنب قتلت، وعلى هذا هو سؤال تلطف.
وقرأ الجمهور قتلت بالتخفيف مبنيا للمفعول، قرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير وقرئ بكسر التاء الثانية على أنها تاء المؤنثة المخاطبة والفعل مبني للمفعول، وهذه قراءة شاذة وفي مصحف أبيّ وإذا الموؤودة سألت بأي ذنب قتلتني.
وفي الآية دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب.
عن عمر بن الخطاب قال " جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله ﷺ فقال إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية فقال له رسول الله ﷺ : فأعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني : صاحب إبل قال : فاهد عن كل واحدة بدنة " أخرجه البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى