جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ وَأَحْصُواْ الْعِدّةَ وَاتّقُواْ اللّهَ رَبّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشّهَادَةَ لِلّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنّ اللّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله : يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدتِهِنّ يقول : إذا طلقتم نساءكم فطلقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدّتهن، طاهرا من غير جماع، ولا تطلقوهنّ بحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قُرْئهنّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال : الطلاق للعدّة طاهرا من غير جماع.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله فَطَلّقُوهُن لِعِدّتِهِنّ قال : بالطهر في غير جماع.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدتِهِنّ يقول : إذا طلقتم قال : الطهر في غير جماع.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : طاهرا من غير جماع.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يرى طلاق السنة طاهرا من غير جماع، وفي كلّ طهر، وهي العدّة التي أمر الله بها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن رجلاً سأل ابن عباس فقال : إنه طلق امرأته مئة، فقال : عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجا، وقرأ هذه الآية : ومَنْ يَتّقِ اللّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجا، وقال :«يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدتِهِنّ ».
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : حدثنا شعبة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال : كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال : إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننا أنه رادّها عليه، ثم قال : ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول : يا ابن عباس يا ابن عباس، وإن الله عزّ وجلّ قال : وَمَنْ يَتّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، قال الله :«يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدتِهِنّ ».
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، قال : سمعت مجاهدا يحدّث عن ابن عباس في هذه الاَية : يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمْ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال ابن عباس : في قبل عدتهنّ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، أنه قرأ :«فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ ».
حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال : حدثنا جعفر بن عون، قال : أخبرنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : طاهرا في غير جماع.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، في قوله : فَطَلّقُوهنّ لِعِدّتِهِنّ قال : طاهرا من غير حيض، أو حاملاً قد استبان حملها.
قال : ثنا هارون، عن عيسى بن يزيد بن دأب، عن عمرو، عن الحسن وابن سيرين، فيمن أراد أن يطلق ثلاث تطليقات جميعا في كلمة واحدة، أنه لا بأس به بعد أن يطلقها في قبل عدتها، كما أمره الله وكانا يكرهان أن يطلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين، أو ثلاثا، إذا كان بغير العدّة التي ذكرها الله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عون، عن ابن سيرين أنه قال في قوله فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : يطلقها وهي طاهر من غير جماع، أو حَبل يستبين حملها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : لطهرهنّ.
حدثنا عليّ بن عبد الأعلى المحاربيّ، قال : حدثنا المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدتِهِنّ قال : العدة : القُرْء، والقُرء : الحيض. والطاهر : الطاهر من غير جماع، ثم تستقبل ثلاث حِيَض.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدتِهِنّ والعدة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع تطليقة واحدة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : إذا طهرت من الحيض في غير جماع، قلت : كيف ؟ قال : إذا طهرت فطلقها من قبل أن تمسها، فإن بدا لك أن تطلقها أخرى تركتها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم طلقها إذا طهرت الثانية، فإذا أردت طلاقها الثالثة أمهلتها حتى تحيض، فإذا طهرت الثالثة، ثم تعتدّ حيضة واحدة، ثم تنكح إن شاءت.
قال : ثنا ابن ثور، عن معمر، قال : وقال ابن طاوس : إذا أردت الطلاق فطلقها حين تطهر، قبل أن تمسها تطليقة واحدة، لا ينبغي لك أن تزيد عليها، حتى تخلو ثلاثة قروء، فإن واحدة تبينها.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ يقول : طلّقها طاهرا من غير جماع.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : إذا طلقتها للعدة كان مِلكُها بيدك. من طلّق للعدة جعل الله له في ذلك فسحة، وجعل له مِلْكا إن أراد أن يرتجع قبل أن تنقضي العدة ارتجع.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ قال : طاهرا في غير جماع، فإن كانت لا تحيض، فعند غرّة كل هلال.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : طلّقت امرأتي وهي حائض قال : فأتى عمر رسول الله ﷺ يخبره بذلك، فقال :«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعها حتى تَطْهُرَ، ثُمّ تَحِيضَ، ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاءَ طَلّقَها قَبْلَ أنْ يُجامِعَها، وَإنْ شاءَ أمْسَكَها، فإنّها العُدّةُ التي قال اللّهُ عَزّ وَجَلّ ».
قال : ثنا ابن إدريس، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر بنحوه، عن النبيّ ﷺ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ النبيّ ﷺ فقال :«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْها، ثُمّ لِيُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثُمّ تَحِيضَ، ثُمّ تَطْهُرَ، ثُمّ إنْ شاءَ أمْسَكَها، فَتِلْكَ العِدّةُ التي أمَرَ اللّهُ أنْ تُطَلّقَ لَهَا النّساءُ ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته حائضا، فأتى عمر النبيّ ﷺ، فذكر ذلك له، فأمره أن يراجعها، ثم يتركها حتى إذا طهرت ثم حاضت طلقها، قال النبيّ ﷺ :«فَهِيَ العِدّةُ التي أمَرَ اللّهُ أنْ يُطَلّقَ لَهَا النّساءُ » يقول : حين يطهرن.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله فَطَلّقُوهُنّ لِعَدّتِهِنّ يقول : لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً، فعدتها أن تضع حملها.
حدثنا ابن البرقيّ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، سُئل عن قول الله فَطَلّقُوهُنّ لِعَدّتِهِنّ قال : طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته وهي في قبل عدتها، وهي طاهر من غير جماع واحدة، ثم يدعها، فإن شاء راجعها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، وإن أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها واحدة في قبل عدتها، وهي طاهر من غير جماع، ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم يدعها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره.
وذُكر أن هذه الاَية أنزلت على رسول الله ﷺ في سبب طلاقه حَفْصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر تطليقة، فأنزلت هذه الاَية : يا أيّها النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمُ النّساءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ فقيل : راجعها فإنها صّوامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة.
وقوله : وأحْصُوا العِدّةَ يقول : وأحصُوا هذه العدّة وأقراءَها فاحفظوها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : وأحْصُوا العِدّةَ قال : احفظوا العدّة.
وقوله : وَاتّقُوا اللّهَ رَبّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنّ مِنْ بُيُوتهِنّ يقول : وخافوا الله أيها الناس ربكم فاحذروا معصيته أن تتعدّوا حده، لا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهنّ من بيوتهنّ التي كنتم أسكنتموهنّ فيها قبل الطلاق حتى تنقضي عدتهنّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، ق

تفسير هذه الآية من كتب أخرى