الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني
عن الكتاب
لَمَّا ذكَر المَال والأولاد أتبعه بفتنة النساء فقال: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾: ذكره وأر اد به الأمة، لأنه إمامهم ورأسهم ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: أردتم أن تطلقوا ﴿النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: وقتها وهو طهر لم تمسوها فيه ﴿وَأَحْصُواْ﴾: اضبطوا ﴿ٱلْعِدَّةَ﴾: للرَّجعة وغيرها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾: فيما أمرتم به ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾: مساكنهم إلى انقضائها ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾: منها استبدادا، فلو اتفقا على خروجها جاز ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾: كزنا أو إيذاء أهل الزوج ﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾: فتخرج للحد وغيره ﴿وَتِلْكَ﴾: الأحكام ﴿حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى﴾: النفس أو يا مطلقُ ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ﴾: الطلاق ﴿أَمْراً﴾: كرجعة أو استئناف فيه إشعار بالنهي عن الثلاث ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾: قاربن ﴿أَجَلَهُنَّ﴾: انقضاء عدتهم ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: بالرجعة ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بحسن عشرة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾: إلى انقضائها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بلا إضرار ﴿وَأَشْهِدُواْ﴾: ندبا ﴿ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾: على الرجعة أو الفراق ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾: أيها الشهود ﴿لِلَّهِ ذَلِكُمْ﴾: المذكور ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾: من كل مكروه ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ أي: لا يخطر بباله، وأما ضيق رزق كثر الأتقياء فهو مع ضيقه يأتيهم كذلك وتقليله لطف بهم لتقل علائقهم ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: حق توكله ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: كافية وأما عدم كفايته لكثير ممن يظنه متوكلا فلقصور توكله بنحو ضجره أو استباطه ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: مراده فلا يفوته ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾: أجَلاً لاَ يتعداه ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: أي: الحيض لكبر ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: جهلتم عدتهن، هذا بيان لحال المنزل فيه لا قيد ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لصغرهن، فكذلك والمتوفى عنها زوجها منهما مضى حكمهما ﴿وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ﴾: من الكل ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ أي: انقضاء عدتهن ﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: إنما أخذوا بعمومها دون عموم " والذين يتوفون " إلى آخره لأن عموم دمع مضاف إلى جمع محلى باللام بالذات، وعموم أزواجا المستفاد من الذين بالعرض ولنصه صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ﴾: في أحكامه ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾: أي: تيسير أمره في الدارين ﴿ذَلِكَ﴾: المذكور ﴿أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ أي: حكمه ﴿أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ﴾: في احكامه ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾: بالمضاعفة ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: المطلقّات ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾: أي: بعض مساكنكم ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: أي: وسعكم مما تيطقونه ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ﴾: في السكنى ﴿لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾: فتلجئوهن إلى الخروج ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: دل على أن النفقة للحامل المعتدة ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾: أولادكم بعد قطع النكاح ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ﴾: ليأمر بعضكم بعضا ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: بجميل في الإرضاع وأجرته ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ﴾: تضايقتم في الإرضاع ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ﴾: أي: للأب امرأة ﴿أُخْرَىٰ﴾: فلا تكره الأم ﴿لِيُنفِقْ﴾ على المطلّقات المرضعات ﴿ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ أي: ما بلغه وسعه ﴿وَمَن قُدِرَ﴾: ضيق ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: بالإعسار ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾: على قدره ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ في النفَقةِ ﴿إِلاَّ﴾: بقدر ﴿مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾: فلا تخالفوه خشية الفقر ﴿وَكَأِيِّن﴾: كثيرا ﴿مِّن قَرْيَةٍ﴾: أي: أهلها ﴿عَتَتْ﴾: أي: تمرَّدَت ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ ﴿وَ﴾ أمر ﴿رُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾: بالمناقشة في الآخرة كما مر ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾: مُنكراً فَظِيعاً ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ﴾: عقوبة ﴿أَمْرِهَا﴾: من المعاصي ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾: بلا ربح ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾: لئلا يصيبكم ﴿يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾: العقول السليمة ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ مذكرا، أي: جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: به ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الجهل ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾: العلم ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾: جمع لمعنى من ﴿فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ أي: النعمة الدائمة ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: عددا، إما طبقات أو أقاليم بين كل طبقتين كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان، قال الجمهور: وهو الأصح، وقال الضحاك: بلا فتق بينها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلها منبسط يفرق بينهما البحار ويظل جميعهم السماء، وهذا يؤيد تفسيرها بالأقاليم ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ﴾ أي: قضاؤه في كل شيء أو وجيه ﴿بَيْنَهُنَّ﴾: من السماء السابعة إلى الأرض السابعة ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ﴾: متعلق خلق أو ينزل ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: فإنَّ كُلاًّ منهما يدل على كل منهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإ ليه المرجع والمآب.