اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً﴾ الآية.
قرأ نافع(١)، وابن عامر " الذين اتَّخَذُوا " بغير " واو ". والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقةِ مصاحفهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشَّام حذفت منها الواوُ، وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. فمنْ أسقط الواوَ ففيه أوجه :
أحدها : أنَّها بدلٌ من " آخرون " قبلها، وفيه نظر ؛ لأنَّ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا مسجداً ضراراً، لا يقال في حقِّهم : إنَّهم مُرجَوْن لأمر الله ؛ لأنَّهُ رُوي في التفسير أنَّهم من كبار المنافقين، ك : أبي عامر الرَّاهب.
الثاني : أنَّهُ مبتدأ، وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ، أحدها : أنَّهُ " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ " والعائدُ محذوفٌ تقديره : بنيانه منهم.
الثاني : أنَّهُ " لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ " قاله النَّحاسُ والحوفيُّ وفيه بعدٌ لطول الفصل.
الثالث : أنه " لا تقُمْ فيهِ " قالهُ الكسائيُّ. قال ابن عطيَّة :" ويتجه بإضمارٍ، إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها، بتقدير : لا تقمْ في مسجدهم ".
الرابع : أنَّ الخبر محذوفٌ، تقديره : يعذبون، ونحوه، قاله المهدويُّ.
الوجه الثالث : أنَّه منصوبٌ على الاختصاص، وسيأتي هذا الوجه أيضاً في قراءة الواو.
وأما قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلاَّ أنَّه يمتنع وجه البدل من " آخرون " ؛ لأجل العاطف.
وقال الزمخشريُّ : فإن قلت :﴿والذين اتخذوا﴾ ما محلُّه من الإعراب ؟ قلتُ : محله النصب على الاختصاص، كقوله تعالى :﴿والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢]. وقيل : هو مبتدأ، وخبره محذوفٌ، معناه : فيمن وصفنا الذين اتَّخذُوا، كقوله :﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨]. يريد على مذهب سيبويه فإنَّ تقديرهُ : فيما يُتْلى عليكم السارق ؛ فحذف الخبر، وأبقى المبتدأ، كهذه الآية.
قال القرطبي :﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً﴾ معطوف، أي : ومنهم الذين اتَّخذُوا مسجداً، عطف جملة على جملة.
قوله :" ضِرَاراً " فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنَّهُ مفعولٌ من أجله، أي : مُضَارَّةً لإخوانهم.
الثاني : أنَّهُ مفعولٌ ثان ل " اتَّخذوا " قاله أبُو البقاءِ.
الثالث : أنَّه مصدر في موضع الحال من فاعل " اتخذوا "، أي : اتخذوه مضارين لإخوانهم. ويجوزُ أن ينتصبَ على المصدريَّةِ أي : يَضُرُّون بذلك غيرهم ضراراً. ومتعلقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ، أي : ضراراً لإخوانهم، وكفراً بالله.
قال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وعامة المفسِّرين : الذين اتَّخَذُوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وديعة بن ثابت، وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وحارثة بن عامرٍ، وابناهُ مجمع وزيدُ بنُ حارثة، ومعتبُ بنُ قشير وعبادُ بنُ حنيفٍ أخو سهل بن حنيفٍ، وأبُو حبيبةَ بن الأزهرِ، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له : بحزَجٌ، بنوا هذا المسجد ضراراً، يعني مضارة للمؤمنين، والضرار : محاولة الضّر، كما أنَّ الشقاقَ محاولة ما يشُق(٢).
و " كُفْراً " قال ابنُ عباسٍ : يريدُ به ضراراً للمؤمنين، وكُفْراً بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، وما جاء به. قال ابنُ عباسٍ، ومجاهد وقتادة وغيرهم : إنَّ أبا عامر الرَّاهب كان خرج إلى قيصر وتنصَّر، ووعدهم قيصر أنَّه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضّرار يرصدون مجيئه فيه(٣). وقال غيرهم : اتخذوه ليَكْفُرُوا فيه بالطَّعْنِ على النبيِّ - عليه الصلاة والسلام -. " وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين " أي : يفرقُون بواسطته جماعة المؤمنين وذلك لأن المنافقين قالوا : نبني مسجداً فنُصلِّي فيه ؛ ولا نصلِّي خلف محمَّدٍ، فإن أتانا فيه صلينا خلفه وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلافِ الكلمة وإبطال الألفة.
وكان يُصلِّي لهم مجمعُ بنُ حارثة، فلمَّا فرغوا أتوا رسول الله ﷺ هو يتجهَّزُ إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله : إنَّا بنينا مسجداً لذي العلَّة والحاجة، والليلةِ المطيرةِ، والليلة الشاتية، وإنَّا نحب أن تأتينا تصلي لنا فيه، وتدعو بالبركةِ، فقال رسُول الله ﷺ :" إنِّي على جناح سفرٍ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ".
قال القرطبيُّ :" تفطَّن مالكٌ - رحمه الله - من هذه الآية وقال : لا يُصلِّي جماعتان في مسجدٍ واحدٍ بإمامين، خلافاً لسائر العلماء. وروي عن الشَّافعي المنع ؛ لأنَّ في ذلك تشتيتاً للكلمة، وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعة إلى أن نقول : من يريدُ الانفراد عن الجماعةِ كان له عذر فيقيمُ جماعة، ويقدم إمامه فيقعُ الخلاف بينهم، ويبطل الكلام وخفي ذلك عليهم ".
قوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾.
الإرصاد : الانتظارُ، قاله الزجاجُ : وقال ابنُ قتيبة : الانتظارُ مع العداوةِ. قالوا : والمرادُ به : أبو عامر الرَّاهبُ، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهَّب في الجاهليَّة، وتنصَّر ولبس المسوح، فلمَّا قدم النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - المدينة قال له أبُو عامرٍ : ما هذا الذي جِئْتَ به ؟ قال :" جئت بالحنيفية دين إبراهيم "، قال أبو عامرٍ : أنا عليها، فقال النبيُّ ﷺ " إنَّكَ لَسْتَ عليهَا " قال بلى، ولكنك أدخلتَ في الحنيفيَّة ما ليس منها، فقال النبي ﷺ " ما فعلتُ ولكنِّي جئتُ بها بيضَاءَ نقيَّةٌ " فقال أبُو عامرٍ، أمات اللهُ الكاذبَ طريداً وحيداً غريباً، فقال النبي ﷺ :" آمين ". وسمَّاه أبا عامر الفاسق فلمَّا كان يوم أحد، قال أبُو عامر لرسول الله ﷺ : لا أجدُ قوماً يقاتلُونك إلاَّ قاتلتك معهم ؛ فلمْ يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلمَّا انهزمت هوازن يئس، وخرج هارباً إلى الشَّام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدُّوا لما استطعتم من قوَّة وسلاح، وابنُوا لِي مسجداً فإنِّي ذاهب إلى قيصر ملك الرُّوم، فآتي بجندٍ من الرُّوم، فأخرج مُحمَّداً وأصحابه من المدينة فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشَّام.
قوله :" مِنْ قبلُ " فيه وجهان :
أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشريُّ غيره - : أنَّهُ متعلقٌ بقوله :" اتَّخَذُوا "، أي : اتَّخذُوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء.
والثاني : أنه متعلقٌ ب " حَاربَ "، أي : حارب من قبل اتِّخاذ هذا المسجد.
قوله :﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ " ليَحْلفُنَّ " جوابُ قسم مقدر، أي : والله ليحْلِفنَّ. وقوله " إنْ أردْنَا " جوابٌ لقوله :" ليَحْلِفُنَّ " فوقع جوابُ القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله " إنْ أرَدْنَا ". و " إنْ " نافية، ولذلك وقع بعدها " إلاَّ ". و " الحُسْنَى " صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي : إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلاَّ الإرادة الحسنى. وقال الزمخشريُّ " مَا أرَدْنَا ببناء هذا المسجد إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلا الإرادة الحسنى، وهي الصلاةُ ". قال أبو حيَّان كأنَّه في قوله :" إلاَّ الخَصْلةِ الحسْنَى " جعله مفعولاً، وفي قوله :" أو إلاَّ الإرادة الحسنى " علةً ؛ فكأنه ضمَّن " أرادَ " معنى " قَصَدَ "، أي : ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلاَّ الإرادة الحسنى. قال " وهذا وجهُ متكلف " وأرادوا بالفعلة الحسنى : الرفق بالمسلمين، والتوسعة على أهل الضعف، والعلة، والعجز عن المصير إلى مسجد رسُول الله ﷺ ؛ لأنَّهم قالوا لرسُول الله : إنَّا بَنينا مسجداً لذي العلَّةِ والحاجة واللَّيلة المطيرة. ثم قال تعالى :﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي : أنَّ الله أطلعَ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنَّهم حلفُوا كاذبين.
روي أنه لمّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ من تبوك ؛ فنزل بذي أوان موضع قريب من المدينةِ، أتوهُ فسألوهُ إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم، فنزل القرآن عليه وأخبره خبر مسجد الضرار، وما همُّوا به، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم، ومعن بن عديّ، وعامر بن السكن، والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم :" انْطلقُوا إلى هذا المَسْجدِ الظَّالم أهلُه فاهدمُوهُ وأحْرِقُوهُ " فخرجوا مسرعين حتَّى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهلهُ فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد، وفيه أهله فحرقوه وهدموهُ، وتفرَّق عنه أهله، وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف، والنتن، والقمامة، ومات أبُو عامرٍ الرَّاهب بالشَّام وحيداً غريباً.
ورُوي أنَّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة، فيؤمّهم في مسجدهم، فقال : لا والله ولا نعمة عين ! أليس بإمام مسجد الضرار ؟ فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، فوالله لقد صليتُ فيه وأنا لا أعلم ما أضمرُوا عليه، ولو علمتُ ما صلَّيتُ معهم، كنتُ غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شُيُوخاً لا يقرؤون فصليت ولا أحسب إلاَّ أنهم يتقرَّبُون إلى الله، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدَّقه وأمره بالصلاةِ في مسجد قباء. قال عطاءٌ " لمَّا فتح الله على عُمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجدَ، وأمرهم ألاَّ يبنوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه " (٤).
قرأ نافع(١)، وابن عامر " الذين اتَّخَذُوا " بغير " واو ". والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقةِ مصاحفهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشَّام حذفت منها الواوُ، وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. فمنْ أسقط الواوَ ففيه أوجه :
أحدها : أنَّها بدلٌ من " آخرون " قبلها، وفيه نظر ؛ لأنَّ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا مسجداً ضراراً، لا يقال في حقِّهم : إنَّهم مُرجَوْن لأمر الله ؛ لأنَّهُ رُوي في التفسير أنَّهم من كبار المنافقين، ك : أبي عامر الرَّاهب.
الثاني : أنَّهُ مبتدأ، وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ، أحدها : أنَّهُ " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ " والعائدُ محذوفٌ تقديره : بنيانه منهم.
الثاني : أنَّهُ " لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ " قاله النَّحاسُ والحوفيُّ وفيه بعدٌ لطول الفصل.
الثالث : أنه " لا تقُمْ فيهِ " قالهُ الكسائيُّ. قال ابن عطيَّة :" ويتجه بإضمارٍ، إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها، بتقدير : لا تقمْ في مسجدهم ".
الرابع : أنَّ الخبر محذوفٌ، تقديره : يعذبون، ونحوه، قاله المهدويُّ.
الوجه الثالث : أنَّه منصوبٌ على الاختصاص، وسيأتي هذا الوجه أيضاً في قراءة الواو.
وأما قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلاَّ أنَّه يمتنع وجه البدل من " آخرون " ؛ لأجل العاطف.
وقال الزمخشريُّ : فإن قلت :﴿والذين اتخذوا﴾ ما محلُّه من الإعراب ؟ قلتُ : محله النصب على الاختصاص، كقوله تعالى :﴿والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢]. وقيل : هو مبتدأ، وخبره محذوفٌ، معناه : فيمن وصفنا الذين اتَّخذُوا، كقوله :﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨]. يريد على مذهب سيبويه فإنَّ تقديرهُ : فيما يُتْلى عليكم السارق ؛ فحذف الخبر، وأبقى المبتدأ، كهذه الآية.
قال القرطبي :﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً﴾ معطوف، أي : ومنهم الذين اتَّخذُوا مسجداً، عطف جملة على جملة.
قوله :" ضِرَاراً " فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنَّهُ مفعولٌ من أجله، أي : مُضَارَّةً لإخوانهم.
الثاني : أنَّهُ مفعولٌ ثان ل " اتَّخذوا " قاله أبُو البقاءِ.
الثالث : أنَّه مصدر في موضع الحال من فاعل " اتخذوا "، أي : اتخذوه مضارين لإخوانهم. ويجوزُ أن ينتصبَ على المصدريَّةِ أي : يَضُرُّون بذلك غيرهم ضراراً. ومتعلقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ، أي : ضراراً لإخوانهم، وكفراً بالله.
فصل
قال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وعامة المفسِّرين : الذين اتَّخَذُوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وديعة بن ثابت، وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وحارثة بن عامرٍ، وابناهُ مجمع وزيدُ بنُ حارثة، ومعتبُ بنُ قشير وعبادُ بنُ حنيفٍ أخو سهل بن حنيفٍ، وأبُو حبيبةَ بن الأزهرِ، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له : بحزَجٌ، بنوا هذا المسجد ضراراً، يعني مضارة للمؤمنين، والضرار : محاولة الضّر، كما أنَّ الشقاقَ محاولة ما يشُق(٢).
و " كُفْراً " قال ابنُ عباسٍ : يريدُ به ضراراً للمؤمنين، وكُفْراً بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، وما جاء به. قال ابنُ عباسٍ، ومجاهد وقتادة وغيرهم : إنَّ أبا عامر الرَّاهب كان خرج إلى قيصر وتنصَّر، ووعدهم قيصر أنَّه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضّرار يرصدون مجيئه فيه(٣). وقال غيرهم : اتخذوه ليَكْفُرُوا فيه بالطَّعْنِ على النبيِّ - عليه الصلاة والسلام -. " وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين " أي : يفرقُون بواسطته جماعة المؤمنين وذلك لأن المنافقين قالوا : نبني مسجداً فنُصلِّي فيه ؛ ولا نصلِّي خلف محمَّدٍ، فإن أتانا فيه صلينا خلفه وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلافِ الكلمة وإبطال الألفة.
وكان يُصلِّي لهم مجمعُ بنُ حارثة، فلمَّا فرغوا أتوا رسول الله ﷺ هو يتجهَّزُ إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله : إنَّا بنينا مسجداً لذي العلَّة والحاجة، والليلةِ المطيرةِ، والليلة الشاتية، وإنَّا نحب أن تأتينا تصلي لنا فيه، وتدعو بالبركةِ، فقال رسُول الله ﷺ :" إنِّي على جناح سفرٍ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ".
فصل
قال القرطبيُّ :" تفطَّن مالكٌ - رحمه الله - من هذه الآية وقال : لا يُصلِّي جماعتان في مسجدٍ واحدٍ بإمامين، خلافاً لسائر العلماء. وروي عن الشَّافعي المنع ؛ لأنَّ في ذلك تشتيتاً للكلمة، وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعة إلى أن نقول : من يريدُ الانفراد عن الجماعةِ كان له عذر فيقيمُ جماعة، ويقدم إمامه فيقعُ الخلاف بينهم، ويبطل الكلام وخفي ذلك عليهم ".
قوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾.
الإرصاد : الانتظارُ، قاله الزجاجُ : وقال ابنُ قتيبة : الانتظارُ مع العداوةِ. قالوا : والمرادُ به : أبو عامر الرَّاهبُ، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهَّب في الجاهليَّة، وتنصَّر ولبس المسوح، فلمَّا قدم النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - المدينة قال له أبُو عامرٍ : ما هذا الذي جِئْتَ به ؟ قال :" جئت بالحنيفية دين إبراهيم "، قال أبو عامرٍ : أنا عليها، فقال النبيُّ ﷺ " إنَّكَ لَسْتَ عليهَا " قال بلى، ولكنك أدخلتَ في الحنيفيَّة ما ليس منها، فقال النبي ﷺ " ما فعلتُ ولكنِّي جئتُ بها بيضَاءَ نقيَّةٌ " فقال أبُو عامرٍ، أمات اللهُ الكاذبَ طريداً وحيداً غريباً، فقال النبي ﷺ :" آمين ". وسمَّاه أبا عامر الفاسق فلمَّا كان يوم أحد، قال أبُو عامر لرسول الله ﷺ : لا أجدُ قوماً يقاتلُونك إلاَّ قاتلتك معهم ؛ فلمْ يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلمَّا انهزمت هوازن يئس، وخرج هارباً إلى الشَّام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدُّوا لما استطعتم من قوَّة وسلاح، وابنُوا لِي مسجداً فإنِّي ذاهب إلى قيصر ملك الرُّوم، فآتي بجندٍ من الرُّوم، فأخرج مُحمَّداً وأصحابه من المدينة فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشَّام.
قوله :" مِنْ قبلُ " فيه وجهان :
أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشريُّ غيره - : أنَّهُ متعلقٌ بقوله :" اتَّخَذُوا "، أي : اتَّخذُوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء.
والثاني : أنه متعلقٌ ب " حَاربَ "، أي : حارب من قبل اتِّخاذ هذا المسجد.
قوله :﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ " ليَحْلفُنَّ " جوابُ قسم مقدر، أي : والله ليحْلِفنَّ. وقوله " إنْ أردْنَا " جوابٌ لقوله :" ليَحْلِفُنَّ " فوقع جوابُ القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله " إنْ أرَدْنَا ". و " إنْ " نافية، ولذلك وقع بعدها " إلاَّ ". و " الحُسْنَى " صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي : إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلاَّ الإرادة الحسنى. وقال الزمخشريُّ " مَا أرَدْنَا ببناء هذا المسجد إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلا الإرادة الحسنى، وهي الصلاةُ ". قال أبو حيَّان كأنَّه في قوله :" إلاَّ الخَصْلةِ الحسْنَى " جعله مفعولاً، وفي قوله :" أو إلاَّ الإرادة الحسنى " علةً ؛ فكأنه ضمَّن " أرادَ " معنى " قَصَدَ "، أي : ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلاَّ الإرادة الحسنى. قال " وهذا وجهُ متكلف " وأرادوا بالفعلة الحسنى : الرفق بالمسلمين، والتوسعة على أهل الضعف، والعلة، والعجز عن المصير إلى مسجد رسُول الله ﷺ ؛ لأنَّهم قالوا لرسُول الله : إنَّا بَنينا مسجداً لذي العلَّةِ والحاجة واللَّيلة المطيرة. ثم قال تعالى :﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي : أنَّ الله أطلعَ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنَّهم حلفُوا كاذبين.
روي أنه لمّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ من تبوك ؛ فنزل بذي أوان موضع قريب من المدينةِ، أتوهُ فسألوهُ إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم، فنزل القرآن عليه وأخبره خبر مسجد الضرار، وما همُّوا به، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم، ومعن بن عديّ، وعامر بن السكن، والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم :" انْطلقُوا إلى هذا المَسْجدِ الظَّالم أهلُه فاهدمُوهُ وأحْرِقُوهُ " فخرجوا مسرعين حتَّى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهلهُ فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد، وفيه أهله فحرقوه وهدموهُ، وتفرَّق عنه أهله، وأمر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف، والنتن، والقمامة، ومات أبُو عامرٍ الرَّاهب بالشَّام وحيداً غريباً.
ورُوي أنَّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة، فيؤمّهم في مسجدهم، فقال : لا والله ولا نعمة عين ! أليس بإمام مسجد الضرار ؟ فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، فوالله لقد صليتُ فيه وأنا لا أعلم ما أضمرُوا عليه، ولو علمتُ ما صلَّيتُ معهم، كنتُ غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شُيُوخاً لا يقرؤون فصليت ولا أحسب إلاَّ أنهم يتقرَّبُون إلى الله، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدَّقه وأمره بالصلاةِ في مسجد قباء. قال عطاءٌ " لمَّا فتح الله على عُمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجدَ، وأمرهم ألاَّ يبنوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه " (٤).
١ ينظر: حجة القراءات ص (٣٢٣)، إتحاف ٢/٩٨، الكشاف ٢/٣٠٩، المحرر الوجيز ٣/٨٠، البحر المحيط ٥/١٠٢، الدر المصون ٣/٥٠٢..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٧١) وذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٦/١٥٣)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٧١) عن ابن عباس ومجاهد..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٢٧)..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٧١) وذكره الرازي في "التفسير الكبير" (١٦/١٥٣)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٧١) عن ابن عباس ومجاهد..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٢٧)..