التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين، بالحديث عن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ليكون مكانا للإِضرار بالإِسلام والمسلمين، فقال - تعالى -. ﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً... والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قال الإِمام ابن كثير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - ﷺ - إليها، رجل من الخروج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله - ﷺ - مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار للإِسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارزة العداوة، وطاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام " أحد " فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله - ﷺ - وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعتيه اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه.
وكان رسول الله - ﷺ - قد دعاه إلى الله قبل فراره - إلى مكة - وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله - ﷺ - أن يموت بعيدا طريداً فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من " أحد " ورأى أمر الرسول - ﷺ - في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبى - ﷺ -، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبى - ﷺ - ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قد عليه بعد ذلك.
فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - ﷺ - إلى تبوك وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة في الليلة الشاتية ! ! فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء الله - آتيناكم فصلينا لكم فيه ".
فلما قفل راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخير مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، والتفريق بين جماع المؤمنين في مسجدهم. مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله - ﷺ - إلى مجسد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة.
وقوله :﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾ منصوب على الذم.
أى : وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضراراً.. أو معطوف على ما سبق من أحوال المنافقين، والتقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً.
وقوله " ضراراً " مفعول لأجله أى : اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإِضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم.
وقوله " وكفرا " معطوف على " ضراراً " ؛ وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد.
أى : اتخذوه للإِضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه من الغل الذي يحفونه.
وقوله :﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾ علة ثالثة.
أى : واتخذوه أيضاً للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد واحد هو مسجد قباء، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلهوهم يصلون في أماكن متفرقة. حسدا لهم على نعمة الإِخاء والتآلف والاتحاد التي غرسها الإِسلام في قلوب أتباعه.
وقوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد.
أى : واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قوم ﴿مَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وهو أبو عامر الراهب، الذي أعلن عداوته لدعوة الإِسلام " من قبل " بناء مسجد الضرار.
فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل. يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهى : مضارة المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله.
وقد خيب الله تعالى مساعيهم ؛ وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه - بهدمه وإزالته.
وقوله :﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾ ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة.
أى : أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التي عبروا عنها قبل ذلك. كذبا. بقولهم : " إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة في الليلة الشاتية ".
وقوله :﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ زيادة في مذمتهم وتحقيرهم.
أى : والله - تعالى - يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى، فانهم في الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة، وهى مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١- وجوب بناء المسجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإِسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله.
قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أن هلا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية والمشهبة والمجبرة.
وقال الزمشخرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار.
وعن عطاء : لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أمر المسلمين أن يبينوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه.
٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - :﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ...﴾ وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله - ﷺ يزوروه راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين.
ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي اسس من أول على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك.
قال الإِمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ﷺ - الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح.
ولا منافة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - بطريق الأولى والأحرى ".
٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله - تعالى - فقد قال - تعالى - :﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ما جاء " عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - ﷺ - إلى عويم بن مساعدة فقال له :" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليه به " ؟
فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. فقال - ﷺ - :" هو هذا " ".
٤- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء. والتنزه عن ملابسة القاذورات.
قال الإِمام ابن كثير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - ﷺ - إليها، رجل من الخروج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله - ﷺ - مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار للإِسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارزة العداوة، وطاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام " أحد " فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله - ﷺ - وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعتيه اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه.
وكان رسول الله - ﷺ - قد دعاه إلى الله قبل فراره - إلى مكة - وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله - ﷺ - أن يموت بعيدا طريداً فنالته هذه الدعوة.
وذلك أنه لما فرغ الناس من " أحد " ورأى أمر الرسول - ﷺ - في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبى - ﷺ -، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبى - ﷺ - ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قد عليه بعد ذلك.
فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - ﷺ - إلى تبوك وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة في الليلة الشاتية ! ! فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء الله - آتيناكم فصلينا لكم فيه ".
فلما قفل راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخير مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، والتفريق بين جماع المؤمنين في مسجدهم. مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله - ﷺ - إلى مجسد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة.
وقوله :﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾ منصوب على الذم.
أى : وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضراراً.. أو معطوف على ما سبق من أحوال المنافقين، والتقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً.
وقوله " ضراراً " مفعول لأجله أى : اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإِضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم.
وقوله " وكفرا " معطوف على " ضراراً " ؛ وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد.
أى : اتخذوه للإِضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه من الغل الذي يحفونه.
وقوله :﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾ علة ثالثة.
أى : واتخذوه أيضاً للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد واحد هو مسجد قباء، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلهوهم يصلون في أماكن متفرقة. حسدا لهم على نعمة الإِخاء والتآلف والاتحاد التي غرسها الإِسلام في قلوب أتباعه.
وقوله :﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد.
أى : واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قوم ﴿مَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وهو أبو عامر الراهب، الذي أعلن عداوته لدعوة الإِسلام " من قبل " بناء مسجد الضرار.
فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل. يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهى : مضارة المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله.
وقد خيب الله تعالى مساعيهم ؛ وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه - بهدمه وإزالته.
وقوله :﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾ ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة.
أى : أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التي عبروا عنها قبل ذلك. كذبا. بقولهم : " إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة في الليلة الشاتية ".
وقوله :﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ زيادة في مذمتهم وتحقيرهم.
أى : والله - تعالى - يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى، فانهم في الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة، وهى مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم.
١- وجوب بناء المسجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإِسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله.
قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أن هلا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية والمشهبة والمجبرة.
وقال الزمشخرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار.
وعن عطاء : لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أمر المسلمين أن يبينوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه.
٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - :﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ...﴾ وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله - ﷺ يزوروه راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين.
ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي اسس من أول على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك.
قال الإِمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ﷺ - الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح.
ولا منافة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - بطريق الأولى والأحرى ".
٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله - تعالى - فقد قال - تعالى - :﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ما جاء " عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - ﷺ - إلى عويم بن مساعدة فقال له :" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليه به " ؟
فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. فقال - ﷺ - :" هو هذا " ".
٤- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء. والتنزه عن ملابسة القاذورات.