الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿الذين(١) اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾[ ١٠٧ ]، الآية.
من قرأ :﴿الذين﴾ بالواو(٢)، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى : ومنهم الذين، مردود على :﴿وممن حولكم﴾[ ١٠٢ ](٣).
وقيل : هو مردود على ﴿ومنهم الذين يوذون النبيء﴾، ( والذين اتخذوا مسجدا )(٤).
ومن قرأ ﴿الذين اتخذوا﴾ بغير(٥) واو، فهو(٦) في موضع رفع بالابتداء، وفي الخبر تقديران :
قال الكسائي الخبر :﴿لا تقم فيه﴾، أي : لا تقم في مسجدهم(٧).
وقيل الخبر :﴿لا يزال بنيانهم﴾، وهذا أحسن(٨).
﴿ضرارا﴾ مصدر(٩)، وإن شئت مفعولا من أجله(١٠).
ومعنى الآية : إن اثني عشر رجلا من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار، ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجدا ضرارا بمسجد " قباء " (١١)، وأتوا النبي ﷺ، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا : يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي ﷺ : إني على جناح سفر وشغل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي ﷺ، راجعا [ من سفره ](١٢)، بقرب المدينة(١٣)، بلغه الخبر، فأرسل قوما لهدمه، فهُدم وأُحرق(١٤).
ومعنى ﴿ضرارا﴾ أي : ضرارا(١٥) لمسجد رسول الله ﷺ، وكفرا بالله، لمخادعتهم النبي(١٦) عليه السلام(١٧).
﴿وتفريقا بين المومنين﴾[ ١٠٧ ].
يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم.
﴿وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من [ قبل ](١٨)[ ١٠٧ ].
أي : إعدادا(١٩) له، وهو أبو عامر الذي كان حزَّب الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله ﷺ، وكتب إلى أهل مسجد الضرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي لهم فيه، إذا رجع(٢٠).
﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾[ ١٠٧ ].
أي : يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾[ ١٠٧ ]، في قولهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين(٢١).
قال ابن عباس : وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجدا، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم : إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند(٢٢) من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه.
وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول : إنه راهب(٢٣)، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله ﷺ، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ، فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة.
فأنزل الله/ عز وجل :﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد/أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾(٢٤).
قال قتادة : لما دعوا رسول الله ﷺ ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم(٢٥).
قال الضحاك : بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة(٢٦).
قال ابن عباس : لما بنى النبي عليه [ السلام ](٢٧) مسجد قُباء، بنى [ قوم ](٢٨) من الأنصار مسجدا للضرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم(٢٩).
قوله :﴿من قبل﴾، وقف(٣٠) في قراءة من قرأ :﴿الذين﴾ بغير واو(٣١) إن قدرت أن الخبر : ومنهم الذين(٣٢).
وإن قدرت أن يكون ﴿لا يزال﴾ الخبر، أو ﴿لا تقم فيه أبدا﴾(٣٣)، لم يجز الوقف على :﴿من قبل﴾(٣٤).
و﴿لا تقم فيه أبدا﴾ وقف(٣٥)، وكذلك يقدر جميع هذه الآية(٣٦).
١ في المخطوطتين: (والذين) وهي قراءة جمهور القراء كما سلف. وأثبت قراءة نافع..
٢ انظر: ما سلف ص ٩٨٠، هامش ٩..
٣ انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٦٨، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٥، والمحرر الوجيز ٣/٨٠، والتبيان ٢/٦٥٩، ٦٦٠. وتفسير القرطبي ٨/١٦١، والبحر المحيط ٥/١٠١، ١٠٢، والدر المصون ٣/٥٠٢..
٤ انظر: الكشف ١/٥٠٧..
٥ انظر: ما سلف قريبا، ص ٣١٥٠، هامش ٤..
٦ فهو، تحرفت في الأصل إلى فهم..
٧ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٥، وتعقبه. وأورده القرطبي في تفسيره ٨/١٦١..
٨ وهو قول النحاس في إعراب القرآن ٢/٢٣٥، وأورده في مشكل إعراب القرآن ١/٣٣٦، وينظر: البحر المحيط ٥/١٠١، ١٠٢، والدر المصون ٣/٥٠٢..
٩ في الأصل: مقدر، وهو تحريف ناسخ. وفي ر: مصدرا..
١٠ قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن ٢/٤٦٨: "انتصب" ﴿ضرارا﴾ مفعولا له، المعنى: اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد. فلما حذفت "اللام" أفضى الفعل فنصب. ويجوز أن يكون مصدرا محمولا على المعنى؛ لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه: ضاروا به ضرارا"، والوجهان في مشكل إعراب القرآن ١/٣٣٦، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٥، والمحرر الوجيز ٣/٨٢، والبيان ١/٤٠٥، والبحر المحيط ٥/١٠٢، انظر: التبيان ٢/٦٦٠، والدر المصون ٣/٥٠٢..
١١ هو بضم القاف، وتخفيف الباء، وبالمد، وهو مذكر منون مصروف. هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة. تهذيب الأسماء واللغات ٣/٢٨٦، انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ٢٢٢..
١٢ زيادة يقتضيها السياق من أحكام ابن العربي الذي نقل عن مكي..
١٣ قال ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام ٢/٥٢٩،: "نزل بـ"ذي أوان" بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار". انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ٣٤..
١٤ جامع البيان ١٤/٤٦٨، بتصرف، وهو في أحكام القرآن لابن العربي ٢/١٠١٢، بنص عبارة مكي واختصاره..
١٥ قال الفخر الرازي في تفسيره ٨/١٩٨، :"... والضرار: محاولة الضر، كما أن الشقاق: محاولة ما يشق".
وقال القرطبي في تفسيره ٨/١٦٢: "وكل مسجد بني على ضرار، أو رياء وسمعة، فهو في حكم مسجد الضرار، لا تجوز الصلاة فيه... ، وقد أجمع العلماء أن من صلى في كنيسة أو بيعة [بالكسر] على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة... ، وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة، وحض الشرع على بنائه... يُهدم ويُنزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك بسواه.... وضابط هذا الباب: أن من أدخل على أخيه ضرارا منع..."..

١٦ جامع البيان ١٤/٤٦٩، وفيه: "لمحادَّتهم" مكان "لمخادعتهم"..
١٧ في "ر"، رمز: صم صلى الله عليه وسلم..
١٨ زيادة من "ر"..
١٩ في المخطوطتين: إعدارا، براء مهملة، وهو تحريف لا معنى له، وصوابه في جامع البيان الذي نقل عنه مكي..
٢٠ جامع البيان ١٤/٤٦٩، ٤٧٠، بتصرف..
٢١ انظر: جامع البيان ١٤/٤٧٠..
٢٢ في المخطوطتين: فإني عبد من الروم إني، وهو تحريف ناسخ، وتصويبه من جامع البيان الذي نقل عنه مكي..
٢٣ في أسباب النزول للواحدي ٢٦٤: "كان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح، وسماه النبي عليه السلام، أبا عامر الفاسق" انظر: مزيد بيان في تفسير ابن كثير ٢/٣٨٧..
٢٤ جامع البيان ١٤/٤٧٠، وتفسير ابن كثير ٢/٣٨٨، والدر المنثور ٤/٢٨٤، بزيادة في لفظه، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٦/١٨٨١، مختصرا..
٢٥ جامع البيان ١٤/٤٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٧٩، والدر المنثور ٤/٢٨٥..
٢٦ جامع البيان ١٤/٤٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٧٩، والدر المنثور ٤/٢٨٥، ٢٨٦..
٢٧ زيادة لازمة وفي "ر"، رمز: صم صلى الله عليه وسلم..
٢٨ زيادة من "ر"..
٢٩ جامع البيان ١٤/٤٧٠، ٤٧١، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٨١، والدر المنثور ٤/٢٨٥، بأطول من هذا..
٣٠ تام عند نافع كما نص عليه النحاس في القطع والإئتناف ٣٦٧..
٣١ مضى تخريجها قريبا ص ٣١٥٠، هامش ٤..
٣٢ القطع والإئتناف ٣٦٧، ٣٦٨، وبشأن تقدير الخبر انظر: ما سلف ص ٣١٥٠، هامش ٤..
٣٣ انظر: كلامه في تقدير الخبر فيما سلف قريبا ص ٣١٥١..
٣٤ القطع والإئتناف ٣٦٧..
٣٥ تام عند يعقوب، كما في القطع والإئتناف ٣٦٨، وكاف في المكتفى ٢٩٩، وحسن في المقصد ١٧٠، انظر: معاني القرآن للفراء ١/٤٥٢، ومنار الهدى ١٧٠..
٣٦ في القطع والإئتناف ٣٦٨: قال يعقوب: ﴿أبدا﴾ فهذا التمام من الوقف. ثم يقول: "لمسجد فيه" فهذا التمام قال أبو جعفر [النحاس]: فهذا يصح على تقدير: منهم الذين، وهو حسن لأن المضمرات مختلفة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى