المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ الآية، قيل هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام.
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل، وقالت فرقة : إنما كان رسول الله ﷺ ربما تجاوز قوماً من الكفار غازياً لقوم آخرين أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة، وقالت فرقة : الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة، ومعناها أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه(١) من الكفرة، وهذا هو القتال لكلمة الله ورد الناس إلى الإسلام، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت البلاد، وقال قائلو هذه المقالة : نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام وكانت العراق بعيدة، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم(٢) وغيرهما من الأمم، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال : عليك بالروم، وقال الحسن : هم الروم والديلم.
قال القاضي أبو محمد : يعني في زمنه ذلك، وقاله علي بن الحسين، وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٣)، وقرأ جمهور الناس «غِلظة » بكسر الغين، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش «غَلظة » بفتحها، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة «غُلظة » بضمها، وهي قراءة أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضاً، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن أبي عمرو، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم خشونة وبأساً، وذلك مقصود به القتال، ومنه ﴿عذاب غليظ﴾(٤) و ﴿غليظ القلب﴾(٥) و ﴿غلاظ شداد﴾(٦) في صفة الزبانية، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق(٧) إلى غير ذلك، ثم وعد تعالى في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب.
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل، وقالت فرقة : إنما كان رسول الله ﷺ ربما تجاوز قوماً من الكفار غازياً لقوم آخرين أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة، وقالت فرقة : الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة، ومعناها أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه(١) من الكفرة، وهذا هو القتال لكلمة الله ورد الناس إلى الإسلام، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت البلاد، وقال قائلو هذه المقالة : نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام وكانت العراق بعيدة، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم(٢) وغيرهما من الأمم، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال : عليك بالروم، وقال الحسن : هم الروم والديلم.
قال القاضي أبو محمد : يعني في زمنه ذلك، وقاله علي بن الحسين، وقال ابن زيد : المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٣)، وقرأ جمهور الناس «غِلظة » بكسر الغين، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش «غَلظة » بفتحها، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة «غُلظة » بضمها، وهي قراءة أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضاً، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن أبي عمرو، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم خشونة وبأساً، وذلك مقصود به القتال، ومنه ﴿عذاب غليظ﴾(٤) و ﴿غليظ القلب﴾(٥) و ﴿غلاظ شداد﴾(٦) في صفة الزبانية، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق(٧) إلى غير ذلك، ثم وعد تعالى في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب.
١ - أي يقاربه ويواجهه، يقال: صاقبه مصاقبة وصقابا، ويقال: جار مصاقب. (المعجم الوسيط)..
٢ - الدّيلم: جيل من العجم كانوا يسكون نواحي أذربيجان، ولهذه الكلمة معان كثيرة تجدها في كتب اللغة..
٣ - من الآية (٢٩) من هذه السورة (التوبة)..
٤ - إشارة إلى ما ورد في كثير من آيات التنزيل، مثل قوله تعالى: ﴿ونجيناهم من عذاب غليظ﴾، وقوله: ﴿ومن ورائه عذاب غليظ﴾ وقوله: ﴿ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقوله: ﴿ولنذيقنهم من عذاب غليظ﴾..
٥ - من الآية (١٥٩) من سورة (آل عمران)..
٦ - من الآية (٦) من سورة (التحريم)..
٧ - إشارة إلى ما حدث في غزوة الخندق، وجاءت هذه الجملة في حديث رواه البخاري عن جابر، ولكن بلفظ: (فعرضت) بدلا من (وغلظت). قال جابر: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا كُدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقل: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم***الحديث، والكُدية هي الصّفاة العظيمة الشديدة، وقيل: الأرض الصلبة..
٢ - الدّيلم: جيل من العجم كانوا يسكون نواحي أذربيجان، ولهذه الكلمة معان كثيرة تجدها في كتب اللغة..
٣ - من الآية (٢٩) من هذه السورة (التوبة)..
٤ - إشارة إلى ما ورد في كثير من آيات التنزيل، مثل قوله تعالى: ﴿ونجيناهم من عذاب غليظ﴾، وقوله: ﴿ومن ورائه عذاب غليظ﴾ وقوله: ﴿ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقوله: ﴿ولنذيقنهم من عذاب غليظ﴾..
٥ - من الآية (١٥٩) من سورة (آل عمران)..
٦ - من الآية (٦) من سورة (التحريم)..
٧ - إشارة إلى ما حدث في غزوة الخندق، وجاءت هذه الجملة في حديث رواه البخاري عن جابر، ولكن بلفظ: (فعرضت) بدلا من (وغلظت). قال جابر: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت لنا كُدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقل: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم***الحديث، والكُدية هي الصّفاة العظيمة الشديدة، وقيل: الأرض الصلبة..