تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ) اختلف فيه : قال بعضهم : الآية قبل أن ينزل قوله :( وقاتلوا المشركين كافة )[التوبة: ٣٦] كان الأمر بالقتال بالأدنى، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة.
وقال بعضهم : إن رسول الله ﷺ كان إذا غزا ربما كان تجاوز كفارا، وتركهم وراءه، وقاتل[ في الأصل وم : ويقاتل ] غيرهم ليكون ذلك آية لنبوته، وليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل، ولا يخاف من تركهم وراءه. ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب منهم والأدنى، و ألا يتركوا العدو وراءهم.
إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل. وأمكن أن يكون هذا تعليما[ في الأصل م : تعليم ] من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابه كما علمهم جميع ما يقع لهم من الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آية من القرآن : من ذلك قوله[ في الأصل وم : وقوله ] تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا )[الأنفال: ٤٥] وقوله :( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا )الآية[الأنفال: ١٥] وقوله :( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )الآية[الأنفال: ٦٠] وغير ذلك من الآيات، أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب منهم كسائر العبادات.
وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ) يخرج على وجهين :
أحدهما : ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين.
والثاني : إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبدا [ لأنهم كلما فتحوا ناحية، وقاتلوا ][ في الأصل وم : لأنه كلما فتح ناحية و ] قوما صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذي يلونهم.
وقوله تعالى :( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) قيل : شدة عليهم. وفي حرف ابن مسعود وأبي [ بن كعب ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) أي شدة. ويقرأ غُلظة برفع الغين[ انظر معجم القراءات ج٣/٥٢ ]، ويقرأ ( غِلظة ) بكسرها ؛ وهما لغتان [ ومعانيهما واحدة ][ في الأصل وم : ومعانيها واحد ] ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) أي من اتقى الخلاف له [ وعد ][ ساقطة من الأصل وم ] بالنصر لهم على عدوهم.
وقوله تعالى :( أن الله مع المتقين ) يخرج على وجهين[ في الأصل وم : وجوه ] :
أحدها : ما ذكرنا أن الخلاف له في ما علمهم من أمر الحرب يكون معهم بالنصر.
والثاني : معهم في التوفيق والهداية.
والثالث : في الجزاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى