معاني القرآن — الفراء
عن الكتاب
وقوله :﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلك الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
جاء التفسير : في الاثنى عشر. وجاء ( فيهن ) : في الأشهر الحرم ؛ وهو أشبه بالصواب - والله أعلم - ليتبين بالنهي فيها عِظَمُ حُرْمتها ؛ كما قال :﴿حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ﴾ ثم قال :﴿والصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾ فعظِّمت، ولم يرخص في غيرها بترك المحافظة. ويدلّك على أنه للأربعة - والله أعلم - قوله :( فيهن ) ولم يقل ( فيها ). وكذلك كلام العرب لِما بين الثلاثة إلى العشرة تقول : لثلاث ليال خلون، وثلاثة أيام خلون إلى العشرة، فإذا جُزْت العشرة قالوا : خلت، ومضت. ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة ( هنّ ) و ( هؤلاء ) فإذا جزت العشرة قالوا ( هي، وهذه ) إرادة أن تعرف سِمة القليل من الكثير. ويجوز في كل واحد ما جاز في صاحبه ؛ أنشدني أبو القمقام الفقعسيّ :
ولم يقل : معلوفاتهن وهي سبع، وكل ذلك صواب، إلا أن المُؤْثَر ما فسَّرت لك. ومثله :﴿وقال نِسْوَةٌ في الْمَدِينَة﴾ فذكَّر الفعل لقلَّة النسوة ووقوع ( هؤلاء ) عليهن كما يقع على الرجال. ومنه قوله :﴿فإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ ولم يقل : انسلخت، وكلٌّ صواب. وقال الله تبارك وتعالى :﴿إِنَّ السّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ لقلّتهن ولم يقل ( تلك ) ولو قيلت كان صوابا.
وقوله :﴿الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾
يقول : جميعا. والكافّة لا تكون مذكّرة ولا مجموعة على عدد الرجال فتقولَ : كافّين، أو كافّات للنسوة، ولكنها ( كافّة ) بالهاء والتوحيد في كل جهة ؛ لأنها وإن كانت على لفظ ( فاعلة ) فإنها في مذهب مصدر ؛ مثل الخاصَّة، والعاقبة، والعافية. ولذلك لم تُدخل فيها العرب الألف واللام لأنها آخر الكلام مع معنى المصدر. وهي في مذهب قولك : قاموا معا وقاموا جميعا ؛ ألا ترى أن الألف واللام قد رُفِضت في قولك : قاموا معا، وقاموا جميعا، كما رفضوها في أجمعين وأكتعين وكلهم إذ كانت في ذلك المعنى. فإن قلت : فإن العرب قد تدخل الألف واللام في الجميع، فينبغي لها أن تدخل في كافة وما أشبهها، قلت : لأن الجميع على مذهبين، أحدهما مصدر، والآخر اسم، فهو الذي شبّه عليك. فإذا أردت الجميع الذي في معنى الاسم جمعته وأدخلت فيه الألف واللام ؛ مثل قوله :﴿وإِنا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾، وقوله :﴿سَيُهزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّون الدُّبُرَ﴾ وأما الذي في معنى معا وكافّة فقولك للرجلين : قاما جميعا، وللقوم : قاموا جميعا، وللنسوة : قمن جميعا، فهذا في معنى كلّ وأجمعين، فلا تدخِلْه ألفا ولاما كما لم تدخل في أجمعين.
جاء التفسير : في الاثنى عشر. وجاء ( فيهن ) : في الأشهر الحرم ؛ وهو أشبه بالصواب - والله أعلم - ليتبين بالنهي فيها عِظَمُ حُرْمتها ؛ كما قال :﴿حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ﴾ ثم قال :﴿والصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾ فعظِّمت، ولم يرخص في غيرها بترك المحافظة. ويدلّك على أنه للأربعة - والله أعلم - قوله :( فيهن ) ولم يقل ( فيها ). وكذلك كلام العرب لِما بين الثلاثة إلى العشرة تقول : لثلاث ليال خلون، وثلاثة أيام خلون إلى العشرة، فإذا جُزْت العشرة قالوا : خلت، ومضت. ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة ( هنّ ) و ( هؤلاء ) فإذا جزت العشرة قالوا ( هي، وهذه ) إرادة أن تعرف سِمة القليل من الكثير. ويجوز في كل واحد ما جاز في صاحبه ؛ أنشدني أبو القمقام الفقعسيّ :
| أصبحن في قَرْحٍ وفي داراتها | سبع ليال غير معلوفاتها |
وقوله :﴿الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾
يقول : جميعا. والكافّة لا تكون مذكّرة ولا مجموعة على عدد الرجال فتقولَ : كافّين، أو كافّات للنسوة، ولكنها ( كافّة ) بالهاء والتوحيد في كل جهة ؛ لأنها وإن كانت على لفظ ( فاعلة ) فإنها في مذهب مصدر ؛ مثل الخاصَّة، والعاقبة، والعافية. ولذلك لم تُدخل فيها العرب الألف واللام لأنها آخر الكلام مع معنى المصدر. وهي في مذهب قولك : قاموا معا وقاموا جميعا ؛ ألا ترى أن الألف واللام قد رُفِضت في قولك : قاموا معا، وقاموا جميعا، كما رفضوها في أجمعين وأكتعين وكلهم إذ كانت في ذلك المعنى. فإن قلت : فإن العرب قد تدخل الألف واللام في الجميع، فينبغي لها أن تدخل في كافة وما أشبهها، قلت : لأن الجميع على مذهبين، أحدهما مصدر، والآخر اسم، فهو الذي شبّه عليك. فإذا أردت الجميع الذي في معنى الاسم جمعته وأدخلت فيه الألف واللام ؛ مثل قوله :﴿وإِنا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾، وقوله :﴿سَيُهزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّون الدُّبُرَ﴾ وأما الذي في معنى معا وكافّة فقولك للرجلين : قاما جميعا، وللقوم : قاموا جميعا، وللنسوة : قمن جميعا، فهذا في معنى كلّ وأجمعين، فلا تدخِلْه ألفا ولاما كما لم تدخل في أجمعين.