تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
قوله تعالى :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ ) من الناس من يقول إن الشهور التبست عليهم، واختلطت لكثرة ما كانوا يؤخرونها، ويقدمونها حتى ولو لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة.
فخطب رسول الله ﷺ بمكة بالموسم، فقال :«ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا ؛ منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ثم قال لهم : أي بلد هو ؟ وأي شهر هو ؟ وأي يوم هو ؟ قالوا بلد الحرام وشهر حرام ويوم حرام. ألا بلغت ؟ قالوا بلى، فقال : اللهم فاشهد »[ البخاري ٤٦٦٢ ] وفي بعض الأخبار زيادة ؛ فقال : ألا و( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا )[التوبة: ٣٧].
وقالوا : وذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا فكان النسيء من الشيطان، وصف رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الأشهر، وبينها فدل ذلك على أن النبي كان يحرم القتال فيها على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه.
وزاد ذلك بيانا يعيب أصحاب النسيء إذ[ في م : إذا ] كانوا يستحلون القتال في المحرم ويؤخرونه إلى صفر فيحرمون صفر مكان المحرم فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، وجعله زيادة في الكفر وقال :( يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ )[التوبة: ٣٧] أي عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله. وقال ( فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ )[التوبة: ٣٧].
ومنهم من قال : إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر [ شهرا ][ من م ساقطة من الأصل ] بالأهلة على ما عرفته العرب على ما وقفوا على معرفة ذلك، ولم يوقف غيرهم وإنما يعدون السنة بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة [ على ][ من م ساقطة في الأصل ] ما خلقها الله ( يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ).
قال بعضهم : في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهودا عليهم يشهدون على ما يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم ؛ يخبر ألا تظلموا في هذه الأشهر التي تأتي بكم بكل خير وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما يعملون فيها من الخير والشر.
وقال بعضهم : قوله :( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) أي في الأربعة الحرم خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر [ كلها لا يحمد على ما ][ في الأصل كله لا يحمد عاما، في م : كله لا يحمد على ما ] خص مكة بترك الظلم حراما في الأماكن كلها كقوله :( سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم )[ الآية الحج : ٢٥ ] أي لا تقاتلوا فيها إذ كل ظلم.
وقوله تعالى :( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) قيل : ذلك الحساب حساب الأشهر قيم أي صحيح مستقيم على ما خلقه الله. وقيل : الحساب هو القضاء العدل.
وقوله تعالى :( في كتاب الله ) يحتمل كتاب الله اللوح المحفوظ على ما قيل :( في كتاب الله ) أي في حكم الله ذلك.
وقوله تعالى :( عند الله ) يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله لم يطلع عليه غيره. ويحتمل ( عند الله ) أي في علمه على ما عرفته العرب، الله أعلم.
وقوله تعالى :( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) يحتمل قوله ( كافة ) أي مجتمعين[ في الأصل وم : مجتمعون ] أي قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم مجتمعين، ويحتمل ( كافة ) أي جماعة. ويحتمل ( كافة ) إلى الأبد إلى يوم القيامة ؛ أي قاتلوهم إلى الوقت الذي يقاتلونكم ( كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) في النصر والمعونة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى