غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿وكلمة الله﴾ بالنصب : يعقوب. الباقون : بالرفع.
الوقوف :﴿إلى الأرض﴾ ط ﴿من الآخرة﴾ ط ﴿قليل﴾ ه ﴿شيئا﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿معنا﴾ ج لعطف ﴿أنزل﴾ على ﴿نصره﴾ مع عوارض الظروف. ﴿السفلى﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿وكلمة﴾ بالنصب ﴿العليا﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿في سبيل الله﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ه ﴿الشقة﴾ ط ﴿معكم﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ﴿أنفسهم﴾ ج لواو الابتداء والحال. ﴿لكاذبون﴾ ه ﴿عنك﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. ﴿الكاذبين﴾ ه ﴿وأنفسهم﴾ ط ﴿بالمتقين﴾ ه ﴿يتردّدون﴾ ه ﴿القاعدين﴾ ه ﴿الفتنة﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿لهم﴾ ط ﴿بالظالمين﴾ ﴿كارهون﴾ ه ﴿ولا تفتني﴾ ط ﴿سقطوا﴾ ط ﴿بالكافرين﴾ ه.
ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿إلا تنفروا﴾ ورتب عليه ثلاث خصال : الأولى قوله ﴿يعذبكم عذاباً أليماً﴾ قيل : هو عذاب الدنيا. عن استنفرهم رسول الله ﷺ فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر. وقال الحسن : الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. وقيل : هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به. وقيل : إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين. الثانية قوله ﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع. قيل : هم أهل اليمن. عن أبي روق. وقيل : أبناء فارس عن سعيد بن جبير. وقيل : يحتمل أن يراد بهم الملائكة. وقال الأصم : معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق. الثالثة قوله ﴿ولا تضروه شيئاً﴾ قال الحسن : الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دنيه بل في كل شيء. وقال آخرون. الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة. وفي قوله ﴿والله على كل شيء قدير﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان. عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢] والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله ﷺ فلم ينفروا فلا نسخ. قال الجبائي : في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم. وقال القاضي : فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله تعالى ﴿مالكم إذا قيل لكم﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول. ومن قال إن الضمير في قوله ﴿لا يضروه﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها. ﴿إلا تنفروا﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿يعذبكم عذاباً أليماً﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿إلا تنصروه﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول. ﴿ثاني اثنين﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿إذ هما في﴾ غار العدم. ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ارجعي﴾ { الفجر : ٢٨ ] واصلة إلى مقام العنديه { انفروا } أيها الطلاب ﴿خفافاً﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿وثقالاً﴾ متلبسين بها، أو ﴿خفافاً﴾ مجذوبين بالعناية ﴿وثقالاً﴾ سالكين بالهداية ﴿وجاهدوا﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس. وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال. والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿لو كان﴾ مطلوبك يا محمد ﴿عرضاً قريباً﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿وسفراً قاصداً﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى. ﴿وسيحلفون﴾ يعني أرباب النفوس ﴿لخرجنا معكم﴾ يا أهل القلوب. ﴿عفا الله عنك﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ { الفتح : ٢ ] { فهم في ريبهم يترددون } بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿لأعدوا له عدة﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿فثبطهم﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ما زادوكم إلاَّ خبالاً﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿حتى جاء الحق﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿وظهر أمر الله﴾ وهو التكليف ﴿ومنهم﴾ أي من صفات النفس ﴿من يقول﴾ وهو الهوى ﴿ائذن لي﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ولا تفتني﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني. وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال. ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿وإن جهنم﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى