فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
الاستثناء بقوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم﴾ : قال الزجاج : إنه يعود إلى قوله :﴿بَرَاءةٌ﴾ والتقدير : براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم. وقال في الكشاف : إنه مستثنى من قوله :﴿فَسِيحُواْ﴾ والتقدير : فقولوا لهم : فسيحوا، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم، فأتموا إليهم عهدهم. قال : والاستثناء بمعنى الاستدراك، كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين : ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراه. وقد اعترض عليه بأنه قد تخلل الفاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وهو :﴿وَأَذَانٌ مّنَ الله﴾ إلخ. وأجيب بأن ذلك لا يضرّ، لأنه ليس بأجنبي. وقيل : إن الاستثناء من المشركين المذكورين قبله، فيكون متصلاً وهو ضعيف. قوله :﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ أي : لم يقع منهم أيّ نقص. وإن كان يسيراً، وقرأ عكرمة، وعطاء بن يسار «ينقضوكم » بالضاد المعجمة، أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده. ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه ﷺ بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدّته ﴿وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ المظاهرة : المعاونة : أي لم يعاونوا عليكم أحداً من أعدائكم ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أي : أدّوا إليهم عهدهم تاماً غير ناقص ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الماكثين على القتال بعد مضي المدّة المذكورة سابقاً، وهي أربعة أشهر أو خمسون يوماً على الخلاف السابق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم﴾ قال : هم قريش. وأخرج أيضاً عن قتادة قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيّ الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدّتهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن عباد بن جعفر، في قوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم﴾ قال : هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ﴾ قال : كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله :﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله :﴿إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين﴾ قال : هؤلاء بنو ضمرة، وبنو مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي ﷺ في غزوة [ العُشَيْرة ] من بطن ينبع ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر ﴿وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ قال : لم يظاهروا عدوّكم عليكم ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ﴾ يقول : أجلهم الذي شرطتم لهم ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ يقول : الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم، فيوفون بالعهد. قال : فلم يعاهد النبي ﷺ بعد هؤلاء الآيات أحداً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿فَإِنَّهُ انسلخ الأشهر الحرم﴾ قال : هي الأربعة : عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر. قلت : مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرماً لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال : هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : هي الأربعة الأشهر التي قال :﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى. فقال :﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم﴾، وقال :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ﴾ يقول : من جاءك واستمع ما تقول. واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال : إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ أي : كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال :﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿فَإِنَّهُ انسلخ الأشهر الحرم﴾ قال : هي الأربعة : عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر. قلت : مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرماً لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال : هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : هي الأربعة الأشهر التي قال :﴿فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى. فقال :﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم﴾، وقال :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ﴾ يقول : من جاءك واستمع ما تقول. واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ قال : إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ أي : كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال :﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً﴾.