تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال بعضهم : هو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : فلا تُعْجِبك أموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا. والتعذيب في الدنيا، هو ما فُرض عليهم بالجهاد[ في الأصل وم : الجهاد ]، وأمروا بالخروج للقتال، فكان يشق ذلك عليهم، ويشتد، فذلك التعذيب لهم. وهو ما ذكر في آية أخرى :( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم )[الأحزاب: ١٩] أو التعذيب في الدنيا، هو القتل } يقتلون إن لم يخرجوا.
وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة لأنهم يقولون : لا يُعطي [ الله ][ ساقطة من الأصل وم ] أحدا شيئا إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسوله[ في الأصل وم : لرسول الله ] :( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح فذلك بعيد. فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين، وكذلك في قوله :( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) ( نسارع لهم في الخيرات ) الآية[ المؤمنون : ٥٥و٥٦ ] دلالة الرد على قولهم لأنهم قال :( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) ( نسارع لهم في الخيرات ) ثم قال ( بل لا يشعرون )[المؤمنون: ٥٦] [ أن ما ][ في الأصل وم : أنه ] يمدهم به لا للخيرات. دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو بأصلح لهم في الدين.
وفي قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) دلالة الرد عليهم أيضا لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجانا في ما لا يفعل لهم في ذلك. دل أن [ له صنعا ][ في الأصل وم : لهم صنع ] في ذلك، وإنما يعذبهم بفعل اكتسبوه.
وفي قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) دلالة أن ليس كل ما يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما عليهم منهم : فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها في ما فيه هلاكهم أعطاهم لذلك، ومن علم منهم أنه يستعمله لنجاته أعطاه ليرحمه[ في الأصل وم : ليرحمهم ] به. فإنما أعطى كلا ما علم أن يكون منه[ في الأصل وم : منهم ] ؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون[ أدرج في الأصل وم قبلها : أنه ] في إعطائه مخطئا.
وقوله تعالى :( وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) قيل : تخرج، وتهلك خوفا. قال أبو عوسجة : يقال : خرجت نفسه من فمه، وقيل : تذهب، وكذلك قال أبو عبيد، تزهق أي تذهب[ في الأصل مم : ذهب ].
وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله لأنه أخبر أن أنفسهم تزهق ( وهم كافرون ) فكان ما ذكر. دل أنه علم ذلك بالله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى