تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أمر تعالى رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة. وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف، سيف للمشركين :﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسيف للكفار أهل الكتاب :﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وسيف للمنافقين :﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [ التوبة : ٧٣، التحريم : ٩ ] وسيف للبغاة :﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]
وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف(١) إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى :﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال : بيده، [ فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ](٢) فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه.
وقال ابن عباس : أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم.
وقال الضحاك : جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم. وعن مقاتل، والربيع مثله.
وقال الحسن وقتادة : مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم.
وقد يقال : إنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم.
١ - في أ :"بالسيف"..
٢ - زيادة من ت، ك، أ، والطبري..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى