بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله﴾، قال في رواية الكلبي : نزلت الآية في شأن حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام فجهد بذلك جهداً شديداً فحلف بالله ﴿لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ﴾، يعني : المال الذي بالشام، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ منه ولأؤدين حق الله تعالى منه، فلم يفعل لمَّا أعطاه الله المال. قال مقاتل : نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان محتاجاً، فقال :﴿لَئِنْ ءاتانا *** الله مِن فَضْلِهِ **لَنَصَّدَّقَنَّ ولنكونن من الصالحين﴾ فابتلاه الله فرزقه ذلك، وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلاً من المنافقين خطأ، فدفع النبي ﷺ ديته إلى عصبته وهو ثعلبة، فبخل ومنع حق الله تعالى.
قال الفقيه : حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا معاذ بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله ﷺ، ادع الله لي أن يرزقني مالاً. فقال :« وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ ». قال : ثم رجع إليه فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال :« وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِثْلِي ؟ وَالله لَوْ سَأَلْتُ الله تَعَالَى أنْ يُسِيلَ عَلَيَّ الْجِبَالَ ذَهَباً وَفِضَّةً. لَسَالَتْ ». ثم رجع إليه فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالله لئن آتاني الله مالاً لأؤدين لكل ذي حق حقه. فقال رسول الله ﷺ :« اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالاً ». فاتَّخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها وكان يشهد الصلوات مع رسول الله ﷺ ثم يخرج إليها ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الجمعة مع رسول الله ﷺ، ثم يخرج إليها ثم نمت، فترك الجمعة والجماعات وجعل يتلقى الركبان ويقول : ماذا عندكم من الخير ؟ وما كان من أمر الناس ؟ فأنزل الله تعالى على رسوله :﴿خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] فاستعمل النبي ﷺ رجلين على الصدقات : رجلاً من الأنصار، ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كتاب الصدقة، وأمرهما أن يصدقا الناس، وأن يمرا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله.
فأتيا ثعلبة وطلبا منه، فقال : صدِّقا الناس، فإذا فرغتما فمرا بي.
ففعلا، فلما رجعا إليه وطلبا منه فأبى وقال : ما هذه إلا أخية الجزية. فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه فأنزل الله تعالى :﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين * فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.
فركب رجل من الأنصار هو ابن عم لثعلبة راحلته حتى أتى ثعلبة فقال : ويحك يا ثعلبة هلكت قد أنزل الله فيك من القرآن كذا وكذا : فأقبل ثعلبة بن حاطب وجعل على رأسه التراب وهو يبكي ويقول : يا رسول الله اقبض مني صدقة مالي. فلم يقبض منه صدقة حتى قبض رسول الله ﷺ، ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبل منه صدقته ؛ ثم أتى إلى عمر فلم يقبل صدقته ؛ ثم أتى إلى عثمان فلم يقبل صدقته ومات في خلافة عثمان، فذلك قوله :﴿فَلَمَّا ءاتَاهُمْ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى