تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر، أي : أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَند، فقال الأعرابي : والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني فقال زيد : ما يُريبك من يدي ؟ إنها الشمال. فقال الأعرابي : والله ما أدري، اليمين يقطعون أو الشمالَ ؟ فقال زيد بن صوحان(١) صدق الله :﴿الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن مُنَبِّه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال :" من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن ".
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن سفيان الثوري، به(٢) وقال الترمذي : حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله ﷺ فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال :" لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قُرشي، أو ثَقَفي أو أنصاري، أو دَوْسِيّ " (٣) ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن : مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب : لما في طباع الأعراب من الجفاء.
حديث [ الأعرابي ](٤) في تقبيل الولد : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْب قالا حدثنا أبو أسامة وابن نُمَيْر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا : أتقبِّلون صبيانكم ؟ قالوا : نعم. قالوا : ولكنا والله ما نقبِّل. فقال رسول الله ﷺ :" وَأمْلكُ أن كان الله نزع منكم الرحمة ؟ ". وقال ابن نمير :" من قلبك الرحمة " (٥) وقوله :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي : عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل، لعلمه وحكمته.
١ - في ك :"صوخان"..
٢ - المسند (١/٣٥٧) وسنن أبي داود برقم (٢٨٥٩) وسنن الترمذي برقم (٢٢٥٦) وسنن النسائي (٧/١٩٥)..
٣ - رواه النسائي في السنن (٦/٢٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٤ - زيادة من ت، ك، أ..
٥ - صحيح مسلم برقم (٢٣١٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى