البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿وطُورِ سينينَ﴾، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربَّه عليه، ويُقال له : سينين وسيناء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : حاصل ما ذكره القشيري : أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها ؛ الأولى شجرة القلب التينية المثمِرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية. والثانية : شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشارة بقوله :﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] الخ. والثالثة : شجرة السر، الذي هو طور التجلِّي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة : البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياماً بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسَم عليه :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ قال القشيري : أي : في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أُم الروحانيات، وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. هـ. قلت : وإليه أشار الششتري بقوله :
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ***...

وقول الشاعر :
يا تائهاً في مهمهٍ عن سرهانظر تجد فيك الوجودَ بأسره
أنت الكمال طريقة وحقيقةيا جامعاً سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي : قرأتُ ليلة ﴿والتين والزيتون﴾ إلى أن انتهيت إلى قوله :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى :﴿إلاّ الذين آمنوا..﴾ الخ ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى