اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ لما بين تعالى أن في الوجود قوماً يخافون الله، ويشفقون في أهلهم والنبي - عليه الصلاة والسلام - مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى :﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] فوجب التذكير فلذلك ذَكَرَهُ بالفاء(١).
قوله :«بِنِعْمَةِ رَبِّكَ » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مقسم به متوسط بين اسم «ما » وخبرها. ويكون الجواب حينئذ محذوفاً لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير :«وَنِعْمَةَ رَبّكَ مَا أَنْتَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ».
الثاني : أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها :«بِكَاهِنٍ أوْ مَجْنُون »(٢) والتقدير : ما أنت كاهناً ولا مجنوناً ملتبساً بنعمة ربك. قاله أبو البقاء(٣). وعلى هذا فهي حالٌ لازمة ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفارق هَذِهِ الحَالَ.
الثالث : أن الباء متعلقة بما دل عليه الكلام وهو اعتراض بين اسم «ما » وخبرها والتقدير : ما أنت في حال أذْكَارِك بنعمةِ ربك بكاهنٍ ولا مجنون. قاله الحوفيّ(٤). قال شهاب الدين : ويظهر وجه رابع وهو أن تكون الباء سببية وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية. وهذا هو مقصود الآية الكريمة. والمعنى انتفى عنك الكَهَانَةُ والجنونُ بسبب نعمةِ الله عليك كما تقول : مَا أَنْتَ بمُعْسِرٍ بحمْدِ اللَّهِ وَغِنائِهِ(٥).

فصل


المعنى «فَذَكِّرْ » يا محمد أهل مكة بالْقُرْآنِ ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي برحمته وعصمته «بِكَاهِنٍ » مبتدع القول ومخبر بما في غد من غير وحي «وَلاَ مَجْنُونٍ » نزلت في الذين اقتسموا عِقَابَ(٦) مكة يرمون رسول الله - ﷺ - بالكَهانةِ والسِّحر والجُنُون والشِّعر(٧).
قوله :«أَمْ يَقُولُونَ » قال الثعلبي : قال الخليل : كل ما في سورة الطور من «أم » فاسْتِفْهَامٌ وليس بِعَطْفٍ(٨).
١ بالمعنى من كلام الرازي ٢٨/٢٥٥..
٢ وهو قول أبي حيان في البحر ٨/١٥١ وفي البحر: ما أنت كاهن..
٣ التبيان ١١٨٤..
٤ نقله عند أستاذنا أبو حيان في بحره، المرجع السابق..
٥ ذكره في الدر المصون له مخطوط بمكتبة الإسكندرية لوحة رقم ١١٣..
٦ في البغوي: عقبات وفي الخازن: أعقاب. والعقاب واحدتها عقبة طريق في الجبل وعقاب التي هي أعلى جمع أيضا لعقبة وعقبات جمع أيضا لها، فلا تعارض بين روايات الكتب. وانظر اللسان "عقب" ٣٠٢٨..
٧ وانظر البغوي والخازن ٦/٢٥٢..
٨ نقله في كتابه أبو حيان في البحر ٨/١٥١ و١٥٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى