فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿فَذَكّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبّكَ بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ أي اثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير، والباء متعلقة بمحذوف هو حال : أي ما أنت متلبساً بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوّة بكاهن ولا مجنون، وقيل متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام : أي ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقيل : الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية، والمعنى : انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك كما تقول : ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل : الباء للقسم متوسطة بين اسم «ما » وخبرها، والتقدير : ما أنت - ونعمة الله - بكاهن ولا مجنون، والكاهن : هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي : أي ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية ردّ ما كان يقوله المشركون : إنه كاهن أو مجنون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال :«إن الله ليرفع ذرّية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ به عينه. ثم قرأ :﴿والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم﴾ الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً أن النبيّ ﷺ قال :«إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال : إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول : يا ربّ قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به»، وقرأ ابن عباس ﴿والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم﴾ الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله ﷺ :«إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار»، ثم قرأ رسول الله ﷺ :﴿والذين ءامَنُواْ﴾ الآية، وإسناده هكذا. قال عبد الله بن أحمد : حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن عليّ بن أبي طالب قال :«سألت خديجة النبيّ ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : هما في النار، فلما رأى الكراهة في وجهها قال : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت : يا رسول الله فولديّ منك. قال : في الجنة، قالت : ثم قال رسول الله ﷺ : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ :﴿والذين ءامَنُواْ﴾» الآية. وقال الإمام أحمد في المسند : حدّثنا يزيد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول : يا ربّ من أين لي هذا ؟ فيقول : باستغفار ولدك لك» وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس :﴿وَمَا ألتناهم﴾ قال : ما نقصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا﴾ يقول : باطل ﴿وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ يقول : كذب. وأخرج البزار عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدّثان، فيتكئ ذا، ويتكئ ذا، فيتحدّثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما : يا فلان تدري أيّ يوم غفر الله لنا ؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا». وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت : لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّهُ هُوَ البرّ﴾ قال : اللطيف. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عنه أن قريشاً لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبيّ ﷺ قال قائل منهم : احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء : زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك :﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿رَيْبَ المنون﴾ قال : الموت.