روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وكتاب مُّسْطُورٍ﴾ مكتوب على وجه الانتظام فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد به على ما قال الفراء الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو بشماله وهو المذكور في قوله تعالى :﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣]، وقال الكلبي : هو التوراة، وقيل : هي. والإنجيل. والزبور وقيل : القرآن، وقيل : اللوح المحفوظ، وفي «البحر » لا ينبغي أن يحمل شيء من هذه الأقوال على التعيين وإنما تورد، على الاحتمال، والتنكير قيل : للإفراد نوعاً، وذلك على القول بتعدده، أو للإفراد شخصاً، وذلك على القول المقابل، وفائدته الدلالة على اختصاصه من جنس الكتب بأمر يتميز به عن سائرها، والأولى على وجهي التنكير إذا حمل على أحد الكتابين أعني القرآن والتوراة أن يكون من باب ﴿لِيَجْزِىَ قَوْماً﴾ [الجاثية: ١٤] ففي التنكير كمال التعريف، والتنبيه على أن ذلك الكتاب لا يخفى نكر أو عرف، ومن هذا القبيل التنكير في قوله تعالى :﴿فِى رَقّ مَّنْشُورٍ﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ومما ذكروه من باب الإشارة : في بعض الآيات :﴿والطور﴾ [الطور: ١] إشارة إلى قالب الإنسان ﴿وكتاب مُّسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] إشارة إلى سره ﴿في رَقّ مَّنْشُورٍ﴾ إشارة إلى قلبه ﴿البيت المعمور﴾ [الطور: ٤] إشارة إلى روحه ﴿والسقف المرفوع﴾ [الطور: ٥] إشارة إلى صفته ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦] إشارة إلى نفسه المسجورة بنيران الشهوة والغضب والكبر، وقيل : الطور إشارة إلى ما طار من الأرواح من عالم القدس والملكوت حتى وقع في شباك عالم الملك والكتاب المسطور في الرق المنشور إشارة إلى النقوش الإلهية المدركة بأبصار البصائر القدسية المكتوبة في صحائف الآفاق ﴿والبيت المعمور﴾ إشارة إلى قلب المؤمن المعمور بالمعرفة والإخلاص ﴿والسقف المرفوع﴾ إشارة إلى العالم العلوي المرفوع عن أرض الطبيعة ﴿والبحر المسجور﴾ إشارة إلى بحث القدرة المملوء من أنواع المقدورات التي لا تتناهى، وقيل : إشارة إلى الفضاء الذي فيه الملائكة المهيمون، ووصفه بالمسجور إما لأنه مملوء منهم، وإما لأنه سجر بنيران الهيام ولذا لا يعلم أحدهم بسوى الله عز وجل، وقيل : غير ذلك