اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«والبَحْر المَسْجُور » قيل : هو من الأضداد، يقال : بَحْرٌ مَسْجُورٌ أي مملوء، وبَحْرٌ مَسْجُورٌ أي فارغٌ(١). وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس - ( رضي الله عنهما ) (٢)- أنه قال : خرجت أُمةٌ لتَسْتَقي فَقَالَتْ : إِن الحَوْضَ مَسْجُورٌ ؛ أي فارغ(٣). ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يومَ القيامة.
وقيل : المسجور الممسوك، ومنه ساجُور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه(٤). وقال محمد بن كعب القرظيّ والضَّحَّاكُ : يعني الموقَد المحمّى بمنزلة التَّنُّور المُحَمَّى، وهو قول ابن عباس ( - رضي الله عنهما - )(٥) ؛ لما روى أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ناراً فيزاد بها في نار جهنم كما قال تعالى :﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦].
وروى عَبْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ - ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) (٦) - قال : قال رسول الله - ﷺ - :«لاَ يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ بَحْراً إلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجًّا، فَإِنَّ تَحْتَ البَحْرِ نَاراً وتَحْتَ النَّارِ بَحْراً ». وقال الربيع بن أنس : المسجور المختلط العذب بالمالح. وروى الضحاك عن النّزّال(٧) بن سَبْرَةَ(٨) عن علي أنه قال : البحر المسجور : هو بحر تحت العرش، كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظٌ، يقال له : بحرُ الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم. وهذا قول مقاتل(٩).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل
قيل : الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه :«سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، لاَ أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك». وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام -، ونادى في الظلمات :﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها.
وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه ( الأماكن ) (١٠) مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب ( واقترانه(١١) بالطور أدل على ذلك ؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور ). فصل
أقسم في بعض السور بجموع كقوله :﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١] ﴿والنازعات﴾ [النازعات: ١] وفي بعضها بأفراد كقوله :«والطُّورِ» ولم يقل : والأَطوار والبِحار.
قال ابن الخطيب : والحكمة فيه : أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر، فقال :«والذاريات» إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير(١٢) متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك في قوله :﴿والنجم﴾ [النجم: ١]، ولو قال :«والريح» لما علم المقسَمُ به، وفي الطور عُلِمَ(١٣).


١ رواه صاحب اللسان عن أبي عليّ. وانظر اللسان "سجر" ١٩٤٣ كما رواه أيضا عن أبي زيد..
٢ زيادة من (أ)..
٣ وقال ابن أبي داود: ليس لذي الرمة حديث إلا هذا. وانظر القرطبي ١٧/٦١..
٤ اللسان سجر ١٩٤٣..
٥ زيادة من (أ)..
٦ زيادة من (أ)..
٧ في (ب) البزار..
٨ وفي كلتا النسختين سَمُرة والتصحيح من البغوي..
٩ وانظر هذه الأقوال في تفسير البغوي ٦/٢٤٩..

فصل


قيل : الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء أن هذه الأماكن الثلاثة وهي : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله. أما الطور فانتقل إليه موسى - عليه الصلاة والسلام - وخاطب الله تعالى هناك وأما البيت المعمور فانتقل إليه محمد - عليه الصلاة والسلام - وقال لربه :«سَلاَمٌ عَلَيْنَا وعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحينَ، لاَ أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفسك». وأما البحر المسجور فانتقل إليه يونسُ - عليه الصلاة والسلام -، ونادى في الظلمات :﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها.
وأما ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم في هذه ( الأماكن ) (١٠) مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب ( واقترانه(١١) بالطور أدل على ذلك ؛ لأن موسى - عليه السلام - كان له مكتوبٌ ينزل عليه وهو بالطُّور ).

فصل


أقسم في بعض السور بجموع كقوله :﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١] ﴿والنازعات﴾ [النازعات: ١] وفي بعضها بأفراد كقوله :«والطُّورِ» ولم يقل : والأَطوار والبِحار.
قال ابن الخطيب : والحكمة فيه : أن في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدِّلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود مِنْهَا لا يحصل إلا بالبَدَل والتَّغَيُّر، فقال :«والذاريات» إشارة إلى النوع المستمر، لا الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت غير(١٢) متغير عادة فالواحد من الجبال دائمٌ زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك في قوله :﴿والنجم﴾ [النجم: ١]، ولو قال :«والريح» لما علم المقسَمُ به، وفي الطور عُلِمَ(١٣).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى