الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ : متعلِّقٌ ب " تُحَدِّثُ " أي : تُحَدِّثُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ " أخبارَها "، وقيل : الباءُ زائدةٌ، وأنَّ وما في حَيِّزها بدلٌ من " أخبارَها "، وقيل : الباءُ سببيةٌ، أي : بسبب إيحاءِ اللَّهِ تعالى إليها. وقال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : أين مفعولا " تُحَدِّثُ " ؟ قلت : حُذِفَ أَوَّلُهما، والثاني :" أخبارَها "، وأصله : تُحَدِّث الخلقَ أخبارَها. إلاَّ أنَّ المقصودَ ذِكْرٌ تَحْديثِها الأخبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تعظيماً لليوم. فإنْ قلت : بمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قولِه " بأنَّ ربَّك " ؟ قلت : بتُحَدِّثُ ؛ لأنَّ معناه : تُحَدِّثُ أخبارَها بسببِ إيحاءِ رَبِّك. ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى : تُحَدِّثُ ربَّك بتحديثِ أنَّ ربَّك أوحى لها أخبارَها، على أنَّ تَحْديثَها بأنَّ ربَّك أوحى لها تَحْديثٌ بأخبارِها، كما تقول : نَصَحْتَني كلَّ نصيحة بأَنْ نَصَحْتَني في الدين " قال الشيخ :" وهو كلامٌ فيه عَفْشٌ يُنَزَّه القرآنُ عنه ". قلت : وأيُّ عَفْشٍ فيه مع صِحَّته وفصاحتِه ؟ ولكنْ لَمَّا طالَ تقديرُه مِنْ جهةِ إفادتِه هذا المعنى الحسنَ جَعَله عَفْشاً وحاشاه.
ثم قال الزمخشريُّ :" ويجوزُ أَنْ يكونَ " بأنَّ ربَّك " بدلاً مِنْ " أخبارَها "، كأنه قيل : يومئذٍ تُحَدِّثُ بأخبارِها بأنَّ ربَّك أوحَى لها ؛ لأنَّك تقول : حَدَّثْتُه كذا، وحَدَّثْتُه بكذا " قال الشيخ :" وإذا كان الفعلُ يتعدَّى تارةً بحرفِ جرٍّ، وتارةً يتعدَّى بنفسِه، وحرفُ الجرِّ ليس بزائدٍ، فلا يجوزُ في تابِعه إلاَّ الموافقةُ في الإِعرابِ فلا يجوز :" استغفَرْتُ الذنبَ العظيمِ " بنصبِ " الذنبَ " وجَرِّ " العظيم " لجواز أنَّك تقولُ " من الذنب "، ولا " اخْتَرْتُ زيداً الرجالَ الكرامِ " بنصبِ الرجالَ " وخَفْضِ الكرامِ "، وكذلك لا يجوزُ اَنْ تقولَ :" استغفرتُ من الذنبِ العظيمَ " بنصبِ " العظيمَ " وكذلك في " اخْتَرْتُ " فلو كان حرفُ الجر زائداً جاز الاتباعُ على موضعِ الاسمِ بشروطهِ المحررةِ في علمِ النحوِ، تقول :" ما رأيتُ مِنْ رجلٍ عاقلاً " ؛ لأنَّ " مِنْ " زائدةٌ، " ومِنْ رجل عاقلٍ " على اللفظِ، ولا يجوز نَصْبُ " رجل " وجَرُّ " عاقل " على جوازِ مراعاةِ دخولِ " مِنْ "، وإنْ وَرَدَ شيءٌ مِنْ ذلك فبابُه الشِّعْرُ " انتهى. ولا أَدْري كيف يُلْزِمُ الزمخشريَّ ما أَلْزَمَه به من جميعِ ِالمسائلِ التي ذكَرَها، فإنَّ الزمخشريِّ يقول : إنَّ هذا بدلٌ مِمَّا قبلَه، ثم ذَكَرَ مُسَوِّغَ دخولِ الباءِ في البدلِ، وهو أنَّ المُبْدَلَ منه يجوزُ دخولُ الباءِ عليه، فلو حَلَّ البدلُ مَحَلَّ المبدلِ منه ومعه الباءُ، لكان جائزاً ؛ لأنَّ العاملَ يتعَدَّى به، وذَكَرَ مُسَوِّغاً لخُلُوِّ المبدلِ منه من الباءِ فقال :" لأنَّك تقول : حَدَّثْتُه كذا وحَدَّثْتُه بكذا "، وأمَّا كَوْنُه يَمْتنعُ أَنْ تقولَ :" استغفَرتُ الذنبَ العظيمِ " بنَصْبِ " الذنبَ " وجرِّ " العظيمِ " إلى آخرِه، فليس في كلامِ الزمخشريِّ شيءٌ منه البتةَ.
ونظيرُ ما قاله الزمخشريُّ في بابِ " استغفر " أَنْ تقولَ " استغفرْتُ اللَّهَ ذنباً مِنْ شَتْمي زيداً " فقولك :" مِنْ شَتْمي " بدلٌ مِنْ " الذنب " وهذا جائزٌ لا مَحالةَ.
قوله :﴿أَوْحَى لَهَا﴾ في هذه اللامِ أوجهٌ :
أحدُها : أنها بمعنى إلى، وإنما أُوْثِرَتْ على " إلى " لموافقةِ الفواصلِ. وقال العجَّاج في وَصْف الأرض :
الثاني : أنَّها على أصلِها، و " أَوْحى " يتعدَّى باللامِ تارةً وب " إلى " أخرى، ومنه البيتُ المتقدمُ. الثالث : أنَّ اللامَ على بابها من العلةِ، والمُوحى إليه محذوفٌ، وهو الملائكةُ، تقديرُه : أَوْحَى إلى الملائكةِ لأجلِ الأرضِ، أي : لأَجْلِ ما يَفْعَلون فيها.
ثم قال الزمخشريُّ :" ويجوزُ أَنْ يكونَ " بأنَّ ربَّك " بدلاً مِنْ " أخبارَها "، كأنه قيل : يومئذٍ تُحَدِّثُ بأخبارِها بأنَّ ربَّك أوحَى لها ؛ لأنَّك تقول : حَدَّثْتُه كذا، وحَدَّثْتُه بكذا " قال الشيخ :" وإذا كان الفعلُ يتعدَّى تارةً بحرفِ جرٍّ، وتارةً يتعدَّى بنفسِه، وحرفُ الجرِّ ليس بزائدٍ، فلا يجوزُ في تابِعه إلاَّ الموافقةُ في الإِعرابِ فلا يجوز :" استغفَرْتُ الذنبَ العظيمِ " بنصبِ " الذنبَ " وجَرِّ " العظيم " لجواز أنَّك تقولُ " من الذنب "، ولا " اخْتَرْتُ زيداً الرجالَ الكرامِ " بنصبِ الرجالَ " وخَفْضِ الكرامِ "، وكذلك لا يجوزُ اَنْ تقولَ :" استغفرتُ من الذنبِ العظيمَ " بنصبِ " العظيمَ " وكذلك في " اخْتَرْتُ " فلو كان حرفُ الجر زائداً جاز الاتباعُ على موضعِ الاسمِ بشروطهِ المحررةِ في علمِ النحوِ، تقول :" ما رأيتُ مِنْ رجلٍ عاقلاً " ؛ لأنَّ " مِنْ " زائدةٌ، " ومِنْ رجل عاقلٍ " على اللفظِ، ولا يجوز نَصْبُ " رجل " وجَرُّ " عاقل " على جوازِ مراعاةِ دخولِ " مِنْ "، وإنْ وَرَدَ شيءٌ مِنْ ذلك فبابُه الشِّعْرُ " انتهى. ولا أَدْري كيف يُلْزِمُ الزمخشريَّ ما أَلْزَمَه به من جميعِ ِالمسائلِ التي ذكَرَها، فإنَّ الزمخشريِّ يقول : إنَّ هذا بدلٌ مِمَّا قبلَه، ثم ذَكَرَ مُسَوِّغَ دخولِ الباءِ في البدلِ، وهو أنَّ المُبْدَلَ منه يجوزُ دخولُ الباءِ عليه، فلو حَلَّ البدلُ مَحَلَّ المبدلِ منه ومعه الباءُ، لكان جائزاً ؛ لأنَّ العاملَ يتعَدَّى به، وذَكَرَ مُسَوِّغاً لخُلُوِّ المبدلِ منه من الباءِ فقال :" لأنَّك تقول : حَدَّثْتُه كذا وحَدَّثْتُه بكذا "، وأمَّا كَوْنُه يَمْتنعُ أَنْ تقولَ :" استغفَرتُ الذنبَ العظيمِ " بنَصْبِ " الذنبَ " وجرِّ " العظيمِ " إلى آخرِه، فليس في كلامِ الزمخشريِّ شيءٌ منه البتةَ.
ونظيرُ ما قاله الزمخشريُّ في بابِ " استغفر " أَنْ تقولَ " استغفرْتُ اللَّهَ ذنباً مِنْ شَتْمي زيداً " فقولك :" مِنْ شَتْمي " بدلٌ مِنْ " الذنب " وهذا جائزٌ لا مَحالةَ.
قوله :﴿أَوْحَى لَهَا﴾ في هذه اللامِ أوجهٌ :
أحدُها : أنها بمعنى إلى، وإنما أُوْثِرَتْ على " إلى " لموافقةِ الفواصلِ. وقال العجَّاج في وَصْف الأرض :
| أَوْحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ | وشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ |