مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم﴾ أي الملائكة. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا ﴿لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عبدناهم﴾ أي لو شاء منا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ﴾ المقول ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون، ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة الرضا وقالوا : لو لم يرض بذلك لعجل عقوبتنا، أو لمنعنا عن عبادتها منع قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فرد الله تعالى عليهم بقوله ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الآية. أو قالوا ذلك استهزاءً لا جداً واعتقاداً، فأكذبهم الله تعالى فيه وجهلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد كما قال مخبراً عنهم. ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]. وهذا حق في الأصل، ولكن لما قالوا ذلك استهزاءً كذبهم الله بقوله ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ [يس: ٤٧] وكذلك قال الله تعالى :﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ ثم قال ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجة لهم فيما فعلوا باختيارهم، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شيء فعلوه بمشيئته، وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى