نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي
عن الكتاب
ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون عنه، ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم الآباء ولكونه مع الدليل، فقال عاطفاً على ما تقديره للإرشارة إلى تأمله وإمعان النظر فيه : اذكر لهم ذلك :﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم حين ﴿قال﴾ أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم ﴿إبراهيم لأبيه﴾ من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم، ولما كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة، ذكر لهم حاله فيها بياناً لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن التقليد ﴿وقومه﴾ الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت : إنا لكم سواء ولما كانوا لا يتخيلون أصلاً أن أحداً يكون مخالفاً لهم، أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية فقال :﴿إنني﴾ وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره لكونه مصدراً وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال :﴿براء﴾ ومن ضمه جعله وصفاً محضاً مثل طوال في طويل ﴿مما تعبدون﴾ في الحال والاستقبال مهما كان غير من اشتبه، فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلاً، قال الإمام أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ما حاصله : سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة باقية ﴿لا إله إلا الله﴾ أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا، وقوله ﴿مما تعبدون﴾ بمنزلة إله إذ كل معبود يسمى إلهاً فآل ذلك إلى : لا إله ﴿إلا الذي فطرني﴾ قال : فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك بالعبرة، ونبه بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني منه ثم شق هذه المشاعر والمدرك، ومن كان بهذه القدرة الباهرة كان منفرداً بالعظمة.
ولما كان الله سبحانه - وله المنّ - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من العقل والحواس المهيئ، للهداية من غير طلب، فكان جديراً بأن يمنح قاصده بأعظم هداية قال مسبباً عن قطعه العلائق من سواه، مؤكداً لأجل من ينكر وصوله إلى حد عمي عنه أسلافه ﴿فإنه سيهدين﴾ أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه، لا مرية عندي في هذا الاعتقاد، وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد بقوله المحكي في الشعراء ﴿فهو يهدين﴾ الهداية في الحال وكأنه خص هذا بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه، فجعل هدايتهم هدايته.
ولما كان الله سبحانه - وله المنّ - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من العقل والحواس المهيئ، للهداية من غير طلب، فكان جديراً بأن يمنح قاصده بأعظم هداية قال مسبباً عن قطعه العلائق من سواه، مؤكداً لأجل من ينكر وصوله إلى حد عمي عنه أسلافه ﴿فإنه سيهدين﴾ أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه، لا مرية عندي في هذا الاعتقاد، وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد بقوله المحكي في الشعراء ﴿فهو يهدين﴾ الهداية في الحال وكأنه خص هذا بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه، فجعل هدايتهم هدايته.