اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ لما بين في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار حجة إلا تقليد الآباء، ثم بين أنه طريق باطل، وإن الرجوع إلى الدليل أولى من التقليد أردفه بهذه الآية، وهو وجه آخر يدل على فساد التقليد من وجهين :
الأول : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه تبرأ من دين آبائه بناء على الدليل وذلك أن تقليد الآباء في الأديان إما أن يكون محرماً أو جائزاً. فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنهم لا يشرفو( ن ) ولا يفتخرو( ن ) إلا بكونهم من أولاده. وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء. وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول : إنه ترك دين الآباء وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد(١).
الوجه الثاني : أنه تعالى بين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جَرَم جعل الله دينَه ومذهَبه باقياً في عَقِبِهِ إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبَطُلَتْ. فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليدَ ينقطع أثره(٢).
قوله :«بَرَاءُ » العامة على فتح الباء، وألف وهمزة بعد الراء وهو مصدر في الأصل وقع موقع الصفة وهي بَريءٌ، وبها قرأ الأعمش(٣). ولا يثنى «بَرَاءٌ » ولا يجمعُ، ولا يؤنثُ، كالمصادر في الغالب. قال الزمخشري(٤) والفراء(٥) والمبرد(٦) : لا يقولون البَرَاءَانِ، ولا البَرَاءُونَ ؛ لأن المعنى ذَوَا البَرَاءَ( ةِ ) وذَوُو(٧) البراءة. فإن قلت : منك(٨) ثنيت وجمعت.
وقرأ الزعفرانيُّ وابنُ المبارك(٩) عن نافع بضم الباء، بزنة طُوال وكُرام، يقال : طَوِيلٌ وطُوالٌ، وبَرِيءٌ، وبُرَاء. وقرأ الأعمش بنون واحدة(١٠).
١ المرجع السابق نفسه..
٢ المرجع السابق..
٣ نقلها أبو حيان في البحر المحيط ٨/١١، قال: وهي لغة نجد وشيخه، وكذلك نقلها صاحب مختصر شواذ القراءات وهو ابن خالويه: إني بريء في موضع براء الأعمش، وكذلك في مصحف عبد الله. انظر مختصر شواذ القراءات ١٣٥..
٤ قال: "ولذلك استوى فيه الواحد ولاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث يقال: نحن البراء منك، والخلاء منك". الكشاف ٣/٤٨٤..
٥ قال في معاني القرآن ٣/٣٠: "العرب تقول: نحن منك البراء والخلاء والواحد والاثنان والجميع من المؤنث والمذكر يقال فيه: براء؛ لأنه مصدر، ولو قال: بريء لقيل في الاثنين: بريئان، وفي القوم بريئون وبرآء"..
٦ وكذا هو رأي الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٤٠٩ وكذا الكسائي. انظر القرطبي ١٦/٧٦ والفخر الرازي ٢٧/٢٠٨..
٧ ما كتبه أعلى هو الأصح ففي النسختين ذو، بواو واحدة..
٨ كذا في النسختين منك، أي بريء منك. وفي الرازي: "فإن قلت بريء ثنيت وجمعت"..
٩ في البحر: وقرأ الزعفراني عن أبي جعفر وابن المناذري عن نافع بضم الياء وهنا ابن المبارك في النسختين..
١٠ المرجع السابق البحر والدر المصون ومختصر ابن خالويه ١٣٥ والإتحاف ٣٨٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى