الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ﴾ : في فاعلِه قولان، أحدهما : أنه ملفوظٌ به، وهو " أنَّكم " وما في حَيِّزِها. التقدير : ولن يَنْفَعَكم اشتراكُكم في العذاب بالتأسِّي، كما يَنْفَعُ الاشتراكُ في مصائب الدنيا فيتأسَّى المُصاب بمثلِه. ومنه قولُ الخنساء :
والثاني : أنّه مضمرٌ. فقدَّره بعضُهم ضميرَ التمنِّي المدلولَ عليه بقوله :﴿يلَيْتَ بَيْنِي﴾ أي : لن يَنْفَعكم تَمَنِّيْكم البُعْدَ. وبعضُهم : لن ينفَعَكم اجتماعُكم. وبعضُهم : ظُلْمُكم وجَحْدُكم. وعبارةُ مَنْ عَبَّر بأنَّ الفاعلَ محذوفٌ مقصودُه الإِضمارُ المذكورُ لا الحذفُ ؛ إذ الفاعلُ لا يُحْذَفُ إلاَّ في مواضعَ ليس هذا منها، وعلى هذا الوجهِ يكونُ قوله :" أنَّكم " تعليلاً أي : لأنَّكم، فحذفَ الخافضَ فجرى في مَحَلِّها الخلافُ : أهو نصبٌ أم جرٌّ ؟ ويؤيِّد إضمارَ الفاعلِ، لا أنَّه هو " أنَّكم "، قراءةُ " إنكم " بالكسرِ فإنَّه/ استئنافٌ مفيدٌ للتعليلِ.
قوله :" إذْ ظَلَمْتُمْ " قد استشكل المُعْرِبون هذه الآيةَ. ووجهُه : أنَّ قولَه " اليومَ " ظرفٌ حالِيٌّ، و " إذ " ظرفٌ ماضٍ، و " يَنْفَعَكم " مستقبلٌ ؛ لاقترانِه ب " لن " التي لنفي المستقبلِ. والظاهرُ أنه عاملٌ في الظرفَيْن، وكيف يعملُ الحدثُ المستقبلُ الذي لم يقَعْ بعدُ في ظرفٍ حاضرٍ أو ماضٍ ؟ هذا ما لا يجوزُ. فأُجيب عن إعماله في الظرفِ الحاليِّ على سبيلِ قُرْبِه منه ؛ لأنَّ الحالَ قريبٌ من الاستقبالِ فيجوز في ذلك. قال تعالى :
﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ [الجن: ٩] وقال الشاعر :
٣٩٩٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** سَأَسْعَى الآنَ إذ بَلَغَتْ أَناها
وهو إقناعيٌّ، وإلاَّ فالمستقبلُ يَسْتحيلُ وقوعُه في الحالِ عقلاً. وأمَّا قولُه :" إذ " ففيها للناسِ أوجهٌ كثيرةٌ. قال ابن جني :" راجَعْتُ أبا عليّ فيها مِراراً فآخرُ ما حَصَّلْت منه : أنَّ الدنيا والآخرةَ متصلتان، وهما سواءٌ في حُكْم اللَّهِ تعالى وعِلْمِه، ف " إذ " بدلٌ من " اليوم " حتى كأنَّه مستقبلٌ أو كأنَّ اليومَ ماضٍ. وإلى هذا نحا الزمخشريُّ قال :" وإذْ بدلٌ من اليوم " وحَمَلَه الزمخشريُّ على معنى : إذْ تبيَّن وصَحَّ ظُلْمُكم، ولم يَبْقَ لأحدٍ ولا لكم شبهةٌ في أنَّكم كنتم ظالمين. ونظيرُه :
٣٩٩٨ إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْني لئيمةٌ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : تَبَيَّن أني وَلَدُ كريمةٍ ". وقال الشيخ :" ولا يجوزُ البدلُ ما دامت " إذ " على موضوعِها من المُضِيِّ، فإنْ جُعِلَتْ لمطلقِ الزمانِ جاز ". قلت : لم يُعْهَدْ في " إذ " أنها تكونُ لمطلقِ الزمان، بل هي موضوعةٌ لزمانٍ خاصٍ بالماضي كأَمْسِ. الثاني : أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه : بعد إذ ظَلَمْتُمْ.
الثالث : أنها للتعليلِ. وحينئذٍ تكونُ حرفاً للتعليلِ كاللام. الرابعُ : أنَّ العاملَ في " إذ " هو ذلك الفاعلُ المقدَّرُ لا ضميرُه. والتقدير : ولن ينفعَكم ظلمُكم أو جَحْدُكم إذ ظَلَمْتم. الخامس : أنَّ العاملَ في " إذ " ما دَلَّ عليه المعنى. كأنه قال : ولكن لن ينفعَكم اجتماعُكم إذ ظَلَمْتُمْ. قاله الحوفي، ثم قال :" وفاعلُ " يَنْفَعَكم " الاشتراكُ " انتهى. فظاهرُ هذا متناقضٌ ؛ لأنَّه جَعَلَ الفاعلَ أولاً اجتماعَكم، ثم جعلَه آخِراً الاشتراكَ. ومنع أَنْ تكونَ " إذ " بدلاً مِن اليوم لتغايُرِهما في الدلالة. وفي كتاب أبي البقاء " وقيل : إذْ بمعنى " أَنْ " أي : أَنْ ظَلَمْتُم ". ولم يُقَيِّدْها بكونِها أن بالفتح أو الكسر، ولكن قال الشيخ :" وقيل : إذ للتعليلِ حرفاً بمعنى " أَنْ " يعني بالفتح ؛ وكأنَّه أراد ما ذكره أبو البقاءِ، إلاَّ أنَّ تَسْمِيَتَه " أنْ " للتعليل مجازٌ، فإنها على حَذْفِ حرفِ العلةِ أي : لأَنْ، فلمصاحبتِها لها، والاستغناءِ بها عنها سَمَّاها باسمِها. ولا ينبغي أَنْ يُعْتَقَدَ أنَّها في كتابِ أبي البقاء بالكسرِ على الشرطية ؛ لأنَّ معناه بعيدٌ.
وقُرِئ " إنكم " بالكسرِ على الاستئناف المفيدِ للعلةِ. وحينئذٍ يكونُ الفاعلُ مضمراً على أحدِ التقادير المذكورة.
| ٣٩٩٦ ولولا كَثْرَةُ الباكِيْنَ حَوْلي | على إخوانِهم لقَتَلْتُ نَفْسي |
| وما يَبْكُون مثلَ أخي ولكنْ | أُعَزِّي النفسَ عنه بالتأسِّي |
قوله :" إذْ ظَلَمْتُمْ " قد استشكل المُعْرِبون هذه الآيةَ. ووجهُه : أنَّ قولَه " اليومَ " ظرفٌ حالِيٌّ، و " إذ " ظرفٌ ماضٍ، و " يَنْفَعَكم " مستقبلٌ ؛ لاقترانِه ب " لن " التي لنفي المستقبلِ. والظاهرُ أنه عاملٌ في الظرفَيْن، وكيف يعملُ الحدثُ المستقبلُ الذي لم يقَعْ بعدُ في ظرفٍ حاضرٍ أو ماضٍ ؟ هذا ما لا يجوزُ. فأُجيب عن إعماله في الظرفِ الحاليِّ على سبيلِ قُرْبِه منه ؛ لأنَّ الحالَ قريبٌ من الاستقبالِ فيجوز في ذلك. قال تعالى :
﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ [الجن: ٩] وقال الشاعر :
٣٩٩٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** سَأَسْعَى الآنَ إذ بَلَغَتْ أَناها
وهو إقناعيٌّ، وإلاَّ فالمستقبلُ يَسْتحيلُ وقوعُه في الحالِ عقلاً. وأمَّا قولُه :" إذ " ففيها للناسِ أوجهٌ كثيرةٌ. قال ابن جني :" راجَعْتُ أبا عليّ فيها مِراراً فآخرُ ما حَصَّلْت منه : أنَّ الدنيا والآخرةَ متصلتان، وهما سواءٌ في حُكْم اللَّهِ تعالى وعِلْمِه، ف " إذ " بدلٌ من " اليوم " حتى كأنَّه مستقبلٌ أو كأنَّ اليومَ ماضٍ. وإلى هذا نحا الزمخشريُّ قال :" وإذْ بدلٌ من اليوم " وحَمَلَه الزمخشريُّ على معنى : إذْ تبيَّن وصَحَّ ظُلْمُكم، ولم يَبْقَ لأحدٍ ولا لكم شبهةٌ في أنَّكم كنتم ظالمين. ونظيرُه :
٣٩٩٨ إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْني لئيمةٌ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : تَبَيَّن أني وَلَدُ كريمةٍ ". وقال الشيخ :" ولا يجوزُ البدلُ ما دامت " إذ " على موضوعِها من المُضِيِّ، فإنْ جُعِلَتْ لمطلقِ الزمانِ جاز ". قلت : لم يُعْهَدْ في " إذ " أنها تكونُ لمطلقِ الزمان، بل هي موضوعةٌ لزمانٍ خاصٍ بالماضي كأَمْسِ. الثاني : أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه : بعد إذ ظَلَمْتُمْ.
الثالث : أنها للتعليلِ. وحينئذٍ تكونُ حرفاً للتعليلِ كاللام. الرابعُ : أنَّ العاملَ في " إذ " هو ذلك الفاعلُ المقدَّرُ لا ضميرُه. والتقدير : ولن ينفعَكم ظلمُكم أو جَحْدُكم إذ ظَلَمْتم. الخامس : أنَّ العاملَ في " إذ " ما دَلَّ عليه المعنى. كأنه قال : ولكن لن ينفعَكم اجتماعُكم إذ ظَلَمْتُمْ. قاله الحوفي، ثم قال :" وفاعلُ " يَنْفَعَكم " الاشتراكُ " انتهى. فظاهرُ هذا متناقضٌ ؛ لأنَّه جَعَلَ الفاعلَ أولاً اجتماعَكم، ثم جعلَه آخِراً الاشتراكَ. ومنع أَنْ تكونَ " إذ " بدلاً مِن اليوم لتغايُرِهما في الدلالة. وفي كتاب أبي البقاء " وقيل : إذْ بمعنى " أَنْ " أي : أَنْ ظَلَمْتُم ". ولم يُقَيِّدْها بكونِها أن بالفتح أو الكسر، ولكن قال الشيخ :" وقيل : إذ للتعليلِ حرفاً بمعنى " أَنْ " يعني بالفتح ؛ وكأنَّه أراد ما ذكره أبو البقاءِ، إلاَّ أنَّ تَسْمِيَتَه " أنْ " للتعليل مجازٌ، فإنها على حَذْفِ حرفِ العلةِ أي : لأَنْ، فلمصاحبتِها لها، والاستغناءِ بها عنها سَمَّاها باسمِها. ولا ينبغي أَنْ يُعْتَقَدَ أنَّها في كتابِ أبي البقاء بالكسرِ على الشرطية ؛ لأنَّ معناه بعيدٌ.
وقُرِئ " إنكم " بالكسرِ على الاستئناف المفيدِ للعلةِ. وحينئذٍ يكونُ الفاعلُ مضمراً على أحدِ التقادير المذكورة.