الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿أَنَّكُمْ﴾ في محل الرفع على الفاعلية، يعني : ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله :( يا ليت بيني وبينك ) على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين. وقوله :﴿أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل، أي : لن ينفعكم تمنيكم ؛ لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في سببه وهو الكفر. وتقوّيه قراءة من قرأ «إنكم » بالكسر وقيل : إذا رأى الممنوّ بشدّة من منى بمثلها : روّحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء :
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي ***
فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم ؛ لعظم ما هم فيه.
فإن قلت : ما معنى قوله تعالى :﴿إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ ؟ قلت : معناه : إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، وذلك يوم القيامة. وإذ : بدل من اليوم. ونظيره :
إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَة ***
أي : تبين أني ولد كريمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى