جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخرين * وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ﴾.


اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم «فَجَعَلْناهُمْ سُلُفا » بضم السين واللام، توجيها ذلك منهم إلى جمع سليف من الناس، وهو المتقدّم أمام القوم. وحَكى الفراء أنه سمع القاسم بن معن يذكر أنه سمع العرب تقول : مضى سليف من الناس. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وعاصم : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفا بفتح السين واللام. وإذا قُرىء كذلك احتمل أن يكون مرادا به الجماعة والواحد والذكر والأنثى، لأنه يُقال للقوم : أنتم لنا سلف، وقد يُجمع فيقال : هم أسلاف ومنه الخبر الذي رُوي رسول الله ﷺ أنه قال :«يَذْهَب الصّالِحُونَ أَسْلافا ». وكان حُميد الأعرج يقرأ ذلك :«فَجَعَلْناهُمْ سُلَفا » بضم السين وفتح اللام، توجيها منه ذلك إلى جمع سلفة من الناس، مثل أمة منهم وقطعة.
وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام، لأنها اللغة الجوداء، والكلام المعروف عند العرب، وأحقّ اللغات أن يُقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم. فتأويل الكلام إذن : فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعون في البحر مقدّمة يتقدمون إلى النار، كفار قومك يا محمد من قريش، وكفار قومك لهم بالأثر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفا وَمَثَلاً للاَخرِين قال : قوم فرعون كفارهم سلفا لكفار أمة محمد ﷺ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فَجَعَلْناهُمْ سَلَفا في النار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر : فَجَعلْناهُمْ سَلَفا قال : سلفا إلى النار.
وقوله : وَمَثَلاً للاَخِرِينَ يقول : وعبرة وعظة يتعظ بهم مَنْ بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَمَثَلاً للاَخِرِينَ قال : عبرة لمن بعدهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وَمَثَلاً للاَخِرِينَ : أي عظة للاَخرين.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَمَثَلاً للاَخِرِينَ : أي عظة لمن بعدهم.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفا وَمَثَلاً قال : عبرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى