اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾. قوله ﴿إِن كَانَ للرحمن﴾ قيل شرطية على بابها، واختلف في تأويله، فقيل : إن صح ذلك فأنا أول من يعبده، لكنه لم يصح ألبتة بالدليل القاطع، وذلك أنه علق العبادة بكَيْنُونَة الولد، وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها. فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ذكره الزمخشري(١).
وقيل : إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحِّدِين لله، المكذبين لهذا القول(٢).
واعلم أن هذا التأويل فيه نظر، سواء أثبتوا لله ولداً، أو لم يُثْبِتُوا له، فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا لذلك الولد، فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد. وهذا التأويل قاله الواحدي(٣).
وقيل : العابدين بمعنى الأَنِفِين، من عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشْتَدَّ أنفه فهو عَبدٌ وعَابِدٌ(٤)، ويؤيده قراءة السُّلَمِيَّ واليَمَانِيِّ : العَبِدِينَ دون ألف(٥). وحكى الخليل(٦) قراءة غريبة وهي العَبْدين بسكون الباء وهي تخفيف قراءة السلمي، فأصلها بالكسر.
قال ابن عرفة : يقال : عَبِدَ بالكسر يَعْبَدُ بالفتح فهو عَبِدٌ. وقلَّ ما يقال : عابد والقرآن لا يجيء على القليل أو الشاذ(٧) يعني تخريج من قال : إن العابدين بمعنى الأَنِفِينَ(٨) لا يصح، ثم قال كقول مجاهد(٩). وقال الفرزدق :
وقال آخر :
قال ابن الخطيب : وهذا التعليق أيضاً فاسد ؛ لأن هذه الأنفة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل(١٢).
وقال أبو عبيدة : معناه الجاحدين، يقال : عَبَدَنِي حَقِّي(١٣)، أي جَحَدَنِيهِ. وقال أبو حاتم : العَبِدُ - بكسر الباء - الشديدُ الغَضَب(١٤)، وهو معنى حسن، أي إن كان له ولد على زعمكم فأنا أول من يغضب لذلك.
وقيل :«إنْ » نافية ؛ أي ما كان ثم أخبر بقوله :﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ أي الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية(١٥). ومنع مكي أن تكون نافية. قال :«لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آت، وهذا محال »(١٦). ورد عليه بأن «كَانَ » قد تدل على الدوام. كقوله :«وَكَانَ اللهُ غَفَوراً رَحِيماً » إلى ما لا يحصى(١٧).
والصحيح من مذاهب النحاة أنها لا تدل على الانقطاع والقائل بذلك يقول ما لم تكن قرينة كالآيات المذكورة(١٨).
وروي عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما )(١٩) أن المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل «إنْ » بمعنى الجَحْد، وقال السدي معناه : ولو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك ولكن لا ولد له(٢٠).
وتقدم الخلاف في قراءتي «وَلَد » و«ولد » في مَرْيَمَ(٢١).
وقيل : إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحِّدِين لله، المكذبين لهذا القول(٢).
واعلم أن هذا التأويل فيه نظر، سواء أثبتوا لله ولداً، أو لم يُثْبِتُوا له، فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا لذلك الولد، فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد. وهذا التأويل قاله الواحدي(٣).
وقيل : العابدين بمعنى الأَنِفِين، من عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشْتَدَّ أنفه فهو عَبدٌ وعَابِدٌ(٤)، ويؤيده قراءة السُّلَمِيَّ واليَمَانِيِّ : العَبِدِينَ دون ألف(٥). وحكى الخليل(٦) قراءة غريبة وهي العَبْدين بسكون الباء وهي تخفيف قراءة السلمي، فأصلها بالكسر.
قال ابن عرفة : يقال : عَبِدَ بالكسر يَعْبَدُ بالفتح فهو عَبِدٌ. وقلَّ ما يقال : عابد والقرآن لا يجيء على القليل أو الشاذ(٧) يعني تخريج من قال : إن العابدين بمعنى الأَنِفِينَ(٨) لا يصح، ثم قال كقول مجاهد(٩). وقال الفرزدق :
| ٤٤٢٠ أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهمْ | وَأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْباً بِدَارِم(١٠) |
| ٤٤٢١ مَتَى مَا يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ | وَيَعْبَدْ عَلَيْهِ لاَ مَحَالَةَ ظَالِمَا(١١) |
وقال أبو عبيدة : معناه الجاحدين، يقال : عَبَدَنِي حَقِّي(١٣)، أي جَحَدَنِيهِ. وقال أبو حاتم : العَبِدُ - بكسر الباء - الشديدُ الغَضَب(١٤)، وهو معنى حسن، أي إن كان له ولد على زعمكم فأنا أول من يغضب لذلك.
وقيل :«إنْ » نافية ؛ أي ما كان ثم أخبر بقوله :﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ أي الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية(١٥). ومنع مكي أن تكون نافية. قال :«لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آت، وهذا محال »(١٦). ورد عليه بأن «كَانَ » قد تدل على الدوام. كقوله :«وَكَانَ اللهُ غَفَوراً رَحِيماً » إلى ما لا يحصى(١٧).
والصحيح من مذاهب النحاة أنها لا تدل على الانقطاع والقائل بذلك يقول ما لم تكن قرينة كالآيات المذكورة(١٨).
وروي عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما )(١٩) أن المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل «إنْ » بمعنى الجَحْد، وقال السدي معناه : ولو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك ولكن لا ولد له(٢٠).
وتقدم الخلاف في قراءتي «وَلَد » و«ولد » في مَرْيَمَ(٢١).
١ الكشاف ٣/٤٩٧ وانظر الدر المصون ٤/٨٠٢..
٢ وهذا رأي الواحدي فيما نقله الرازي في تفسيره عنه قال: "والأقوى أن يقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله المكذبين لقولكم". انظر الرازي ٢٧/٢٣١..
٣ المرجع السابق..
٤ الكشاف ٣/٤٩٧، وغريب القرآن للسجستاني ٢٢٥، والرازي السابق..
٥ نقلها ابن جني في المحتسب ٢/٢٥٧ قال: معناه والله أعلم أول الآنفين يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدا أي أنفت. حكاه أبو عبيدة في المجاز ٢/٢٠٧ وقد أنكر هذه القراءة الإمام أبو منصور الأزهري في التهذيب ٢/٢٣٨..
٦ فيما نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٨/٢٨ ولم أجدها في معجمه العين ولا فيما نقلت عنه..
٧ البحر المحيط ٨/٢٨ والقرطبي ١٦/١٢٠..
٨ وهو ابن عباس انظر المحتسب ٢/٢٥٨..
٩ يعني أول من عبده وحده على أنه لا ولد له انظر القرطبي المرجع السابق..
١٠ ورد البيت بروايات مختلفة فالرواية الأعلى هي رواية أبي حيان في البحر ٨/٢٨ والدر المصون ٤/٨٠٣ وهو من الطويل له وفي رواية القرطبي: أولئك أجلاس، و: أولئك ناس إن هجوني هجوتهم... وأعبد أن يهجى كليب، وفي المجاز: أولئك قوم إن هجوني وأعبد أن أهجو عبيدا.
ورواية اللسان كالمجاز وفي المحتسب تهجى كليب والبيت على اختلاف تلك الروايات ليس بالديوان بالمرة. وشاهده: أن أعبد بمعنى آنف وانظر المجاز ٢/٢٠٦ والقرطبي ١٦/١٢٠ والدر المصون ٤/٨٠٣ واللسان (عبد) والمحتسب ٢/٢٥٨ والمفضليات ٥٠٢..
١١ من الطويل للمرقش الأصغر، من قصيدة له رواه صاحب المفضليات ٥٠٢ وانظر الدر المصون ٤/٨٠٤، والطبري ٢٥/٦١. والشاهد: يعبد فإن معناها يغضب..
١٢ التفسير الكبير له ٢٧/٢٣١..
١٣ قال: "أي الكافرين بذلك، والجاحدين لما قلتم وهي عبد يعبد عبدا" المجاز ٢/٢٠٧..
١٤ البحر المحيط ٨/٢٨..
١٥ نقل هذا القول وأقوالا أخر ابن جني في المحتسب ٢/٢٥٨ والقرطبي في الجامع ١٦/١٢١٩ عن الحسن والسدي وابن عباس وانظر البيان ٢/٣٥٥..
١٦ لم أعثر لمكي على هذا القول الذي أتى به المؤلف الذي نقله عن أبي حيان، فقد جعل مكي "ما" نافية، والعابدين من العبادة وإنما هذا الذي نقله المؤلف للطبري انظر المشكل ٢/٢٨٤ وجامع البيان ٢٥/٦١..
١٧ البحر ٨/٣٨ و٣٩..
١٨ انظر الدر المصون ٤/٨٠٤..
١٩ زيادة من أ..
٢٠ انظر القرطبي ١٦/١١٩..
٢١ يقصد قوله: "ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه" ٣٥ منها فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح اللام والواو إلا في نوح فقرأها بالضم، ونافع وعاصم وابن عامر بالفتح مفردا كأسد في كل القرآن وحمزة والكسائي بضم الواو وسكون اللام جمعا كأسد، وانظر في هذا السبعة لابن مجاهد ٢١٤ وإبراز المعاني ٥٨٥ والإتحاف ٣٠١..
٢ وهذا رأي الواحدي فيما نقله الرازي في تفسيره عنه قال: "والأقوى أن يقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحدين لله المكذبين لقولكم". انظر الرازي ٢٧/٢٣١..
٣ المرجع السابق..
٤ الكشاف ٣/٤٩٧، وغريب القرآن للسجستاني ٢٢٥، والرازي السابق..
٥ نقلها ابن جني في المحتسب ٢/٢٥٧ قال: معناه والله أعلم أول الآنفين يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدا أي أنفت. حكاه أبو عبيدة في المجاز ٢/٢٠٧ وقد أنكر هذه القراءة الإمام أبو منصور الأزهري في التهذيب ٢/٢٣٨..
٦ فيما نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٨/٢٨ ولم أجدها في معجمه العين ولا فيما نقلت عنه..
٧ البحر المحيط ٨/٢٨ والقرطبي ١٦/١٢٠..
٨ وهو ابن عباس انظر المحتسب ٢/٢٥٨..
٩ يعني أول من عبده وحده على أنه لا ولد له انظر القرطبي المرجع السابق..
١٠ ورد البيت بروايات مختلفة فالرواية الأعلى هي رواية أبي حيان في البحر ٨/٢٨ والدر المصون ٤/٨٠٣ وهو من الطويل له وفي رواية القرطبي: أولئك أجلاس، و: أولئك ناس إن هجوني هجوتهم... وأعبد أن يهجى كليب، وفي المجاز: أولئك قوم إن هجوني وأعبد أن أهجو عبيدا.
ورواية اللسان كالمجاز وفي المحتسب تهجى كليب والبيت على اختلاف تلك الروايات ليس بالديوان بالمرة. وشاهده: أن أعبد بمعنى آنف وانظر المجاز ٢/٢٠٦ والقرطبي ١٦/١٢٠ والدر المصون ٤/٨٠٣ واللسان (عبد) والمحتسب ٢/٢٥٨ والمفضليات ٥٠٢..
١١ من الطويل للمرقش الأصغر، من قصيدة له رواه صاحب المفضليات ٥٠٢ وانظر الدر المصون ٤/٨٠٤، والطبري ٢٥/٦١. والشاهد: يعبد فإن معناها يغضب..
١٢ التفسير الكبير له ٢٧/٢٣١..
١٣ قال: "أي الكافرين بذلك، والجاحدين لما قلتم وهي عبد يعبد عبدا" المجاز ٢/٢٠٧..
١٤ البحر المحيط ٨/٢٨..
١٥ نقل هذا القول وأقوالا أخر ابن جني في المحتسب ٢/٢٥٨ والقرطبي في الجامع ١٦/١٢١٩ عن الحسن والسدي وابن عباس وانظر البيان ٢/٣٥٥..
١٦ لم أعثر لمكي على هذا القول الذي أتى به المؤلف الذي نقله عن أبي حيان، فقد جعل مكي "ما" نافية، والعابدين من العبادة وإنما هذا الذي نقله المؤلف للطبري انظر المشكل ٢/٢٨٤ وجامع البيان ٢٥/٦١..
١٧ البحر ٨/٣٨ و٣٩..
١٨ انظر الدر المصون ٤/٨٠٤..
١٩ زيادة من أ..
٢٠ انظر القرطبي ١٦/١١٩..
٢١ يقصد قوله: "ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه" ٣٥ منها فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح اللام والواو إلا في نوح فقرأها بالضم، ونافع وعاصم وابن عامر بالفتح مفردا كأسد في كل القرآن وحمزة والكسائي بضم الواو وسكون اللام جمعا كأسد، وانظر في هذا السبعة لابن مجاهد ٢١٤ وإبراز المعاني ٥٨٥ والإتحاف ٣٠١..