البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم رد على زعم اتخاذ الولد لله تعالى، كعيسى والملائكة، فقال :
﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾*﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾*﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾*﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾*﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾*﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
يقول الحق جلّ جلاله :﴿قلْ﴾ يا محمد ﴿إن كان للرحمان ولدٌ﴾ على زعمكم ﴿فأنا أول العابدين﴾ لله، كان أو لم يكن، ويسمى هذا إرخاء العنان، أي : أنا أول مَن يخضع لله، كان له ولد أو لم يكن، وقد قام البرهان على نفيه. قال معناه السدي، أو : وإن كان للرحمان ولد فأنا أول مَن يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد إليه، كما يعظم ولد الملِك، لتعظيم أبيه ؛ وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض، والمراد : نفي الولد، وذلك أنه علَّق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها، ونظيره، قول سعيد بن جبير للحجاج - حين قال له : والله لأبدلنَّك بالدنيا ناراً تلظى - : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك. أو : إن كان للرحمان ولد في زعمكم ﴿فأنا أول العابدين﴾ أي : الموحِّدين لله، المكذِّبين قولكم، بإضافة الولد إليه ؛ لأن مَن عَبَدَ الله، واعترف بأنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد. أو : إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين، أي : الجاحدين والآنفين من أن يكون له ولد، مِن عبَدِ : بكسر الباء : إذا اشتد أنفسه فهو عبَد وعابد، ومنه قول الشاعر(١) :
متى ما يشاء ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خَليلَهُويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالما
وقول الحريري :
قال ما يجب على عابد الحقّقال يحلف بالإله الخلق
أي : على جاحد الحق. وقيل هي " إنْ " النافية، أي : ما كان للرحمان ولد فأنا أول من عبد الله ووحَّده، فيوقف على " ولد " على هذا التأويل.
رُوي : أن النضر قال : إن الملائكة بنات الله، فنزلت الآية، فقال النضر : ألا ترون أنه صدّقني ؛ فقال الوليد : ما صدّقك، ولكن قال : ما كان للرحمان ولداً، فأنا أوّل الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وسيأتي في الإشارة قول آخر.
قال القشيري : وفي الآية وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة فيما أخطأوا فيه في الاعتقاد، على وجه الردّ عليهم. ه. قلت : ولا تجوز مطالعة أقوالهم إلا لمَن رسختْ قدمه في المعرفة، والإعراض عنها أسلم.
سورة الزخرف
مكية. وهي تسع وثمانون آية. ومناسبتها لما قبلها قوله :﴿ما كنت تدري ما الكتاب...﴾ [الشورى: ٥٢] الخ، مع قوله :﴿والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾، فإنه تتميم له.
١ البيت للمرقش الأصغر في المفضليات ص ٥٠٢، وروح المعاني للألوسي ٢٥/١٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى