فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول للكفار قولاً يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة، فقال :﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ أي إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أوّل من عبد الله وحده، لأن من عبد الله وحده، فقد دفع أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة. وقال الحسن والسدّي : إن المعنى ما كان للرحمن ولد، ويكون قوله :﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ ابتداء كلام، وقيل المعنى : قل يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتمّ عبارة، وأحسن أسلوب، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، ومن هذا القبيل قوله تعالى :﴿وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ في ضلال مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره : إن ثبت ما تقوله بالدليل، فأنا أوّل من يعتقده، ويقول به، فتكون ﴿إن﴾ في ﴿إِن كَانَ﴾ شرطية، ورجح هذا ابن جرير وغيره. وقيل : معنى العابدين : الآنفين من العبادة، وهو تكلف لا ملجأ إليه، ولكن قرأ أبو عبد الرحمن اليماني :" لعبدين " بغير ألف، يقال : عبد يعبد عبداً بالتحريك : إذا أنف وغضب، فهو : عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة الشاذة البعيدة هو استبعاد معنى :﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾، وليس بمستبعد ولا مستنكر. وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله :﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ أنه من الأنف والغضب. وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي، وبه قال الفراء. وكذا قال ابن الأعرابي : إن معنى العابدين : الغضاب الآنفين. وقال أبو عبيدة : معناه : الجاحدين، وحكى : عبدني حقي، أي : جحدني، وقد أنشدوا على هذا المعنى الذي قالوه قول الفرزدق :
وقوله أيضاً :
ولا شك أن عبد، وأعبد بمعنى : أنف أو غضب ثابت في لغة العرب، وكفى بنقل هؤلاء الأئمة حجة، ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجأ إليه، ومن التعسف الواضح. وقد ردّ ابن عرفة ما قالوه فقال : إنما يقال عبد يعبد، فهو عبد، وقلّ ما يقال : عابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة، ولا الشاذ. قرأ الجمهور :﴿ولد﴾ بالإفراد، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما " ولد " بضم الواو، وسكون اللام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله :﴿وَنَادَوْاْ يا مالك﴾ قال : يمكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ ماكثون﴾. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم : ترون أن الله يسمع كلامنا ؟ فقال واحد منهم : إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ يقول : إن يكن للرحمن ولد ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ قال : الشاهدين. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله :﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ قال : هذا معروف من كلام العرب إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه.
| أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم | وأعبد أن أهجو كليباً بدارم |
| أولاك أناس لو هجوني هجوتهم | وأعبد أن يهجى كليب بدارم |