الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿كِتَاباً﴾ : فيه وجهان، أظهرهما : أنه بدلٌ مِنْ " أحسنَ الحديث ". والثاني : أنه حالٌ منه. قال الشيخ - لَمَّا نقله عن الزمخشري - :" وكأنَّه بناءً على أنَّ " أَحْسَن الحديث " معرفةٌ لإِضافتِه إلى معرفةٍ، وأفعلُ التفضيلِ إذا أُضيف إلى معرفةٍ فيه خلافٌ. فقيل : إضافتُه مَحْضَةٌ. وقيل : غيرُ محضة ". قلت : وعلى تقديرِ كونِه نكرةً يَحْسُنُ أيضاً أَنْ يكونَ حالاً ؛ لأنَّ النكرةَ متى أُضيفَتْ ساغ مجيءُ الحالِ منها بلا خلافٍ. والصحيحُ أنَّ إضافةَ أَفْعَلَ محضةٌ. و " مُتَشابِهاً " نعتٌ ل " كتاب " وهو المُسَوِّغُ لمجيءِ الجامدِ حالاً، أو لأنَّه في قوةِ مكتوب.
وقرأ العامَّةُ " مثانيَ " بفتح الياء صفةً ثانية أو حالاً أخرى أو تمييزاً منقولاً من الفاعلية أي متشابهاً مثانيه وإلى هذا ذهب الزمخشري. وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بِشْرٍ بسكونها، وفيها وجهان، أحدُهما : أنه مِنْ تسكِينِ حرفِ العلةِ استثقالاً للحركةِ عليه كقراءة " تُطْعِمُوْن أهاليْكم " وقوله :
كأنَّ أَيْدِيْهِنَّ. . . . . . . . . . . . . ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحوِهما.
والثاني : أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : هو مثاني، كذا ذكره الشيخ. وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُنَوَّنَ وتُحْذَفَ ياؤُه لالتقاءِ الساكنين فيقال : مثانٍ، كما تقول : هؤلاء جوارٍ. وقد يُقال : إنه وُقِفَ عليه. ثم أُجْرِيَ الوصلُ مُجْرى/ الوقفِ لكنْ يُعْتَرَضُ عليه : بأنَّ الوَقْفَ على المنقوصِ المنونِ بحَذْفِ الياءِ نحو : هذا قاضٍ، وإثباتُها لغةٌ قليلةٌ. ويمكن الجوابُ عنه : بأنَّه قد قُرِئ بذلك في المتواترِ نحو :﴿مِنْ والي﴾ و ﴿باقي﴾ و ﴿هادي﴾ في قراءة ابن كثير.
قوله :" تَقْشَعِرُّ " هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً ل " كتاب "، وأَنْ تكونَ حالاً منه لاختصاصِه بالصفةِ، وأَنْ تكونَ مستأنفةً. واقشعرَّ جِلْدُه إذا تقبَّضَ وتَجَمَّعَ من الخوف، وقَفَّ شعرُه. والمصدرُ الاقشعرارُ والقُشَعْرِيرة أيضاً. ووزن اقْشَعَرَّ افْعَلَلَّ. ووزنُ القُشَعْرِيرة : فَعَلِّيْلَة.
و " مَثاني " جمعُ مَثْنى ؛ لأنَّ فيه تثنيةَ القصصِ والمواعظِ، أو جمعُ مَثْنى مَفْعَل مِنْ التثنية بمعنى التكرير. وإنما وُصِفَ " كتاب " وهو مفردٌ بمثاني، وهو جمعٌ ؛ لأنَّ الكتابَ مشتملٌ على سورٍ وآياتٍ، أو هو من باب : بُرْمَةٌ أعشارٌ وثَوْبٌ أخلاقٌ. كذا قال الزمخشري : وقيل : ثَمَّ موصوفٌ محذوفٌ أي : فصولاً مثانيَ حُذِفَ للدلالةِ عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى