مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
الصفة الأولى : قوله تعالى :﴿الله نزل أحسن الحديث﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى :﴿فليأتوا بحديث مثله﴾ ومنها قوله تعالى :﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾ والحديث لا بد وأن يكون حادثا، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق، وهذا عتيق وليس بحادث، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث، وسمي الحديث حديثا لأنه مؤلف من الحروف والكلمات، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة، فهذا تمام تقرير هذا الوجه.
أما الوجه الثاني : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير. وما يكون كذلك فهو محدث وحادث.
وأما الوجه الثالث : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركا لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضا أن يكون القرآن حادثا.
أما الوجه الرابع : في الاستدلال أن قالوا : إنه تعالى وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف. وذلك يدل على كونه محدثا والجواب : أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق، والله أعلم.
المسألة الثانية : كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه.
القسم الأول : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني : أن يكون بحسب النظم في الأسلوب، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب. ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه.
القسم الثاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه : الأول : أنه كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى :﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث : أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا.
وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله :﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥] فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة.
أما القسم الأول : وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام : معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء. أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه. وأما معرفة الصفات فهي نوعان :
أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهرا ومركبا من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصا بحيز وجهة، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة : ليس ولم وما ولا، وهذه الأربعة المذكورة، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه.
أما كلمة ليس، فقوله :﴿ليس كمثله شيء﴾ وأما كلمة لم، فقوله :﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٣، ٤] وأما كلمة ما، فقوله :﴿وما كان ربك نسيا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ [مريم: ٣٥] وأما كلمة لا، فقوله تعالى :﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن ﴿لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩].
وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفا بها من القرآن فأولها العلم بالله، والعلم بكونه محدثا خالقا، قال تعالى :﴿الحمد لله الذي خلق * السموات والأرض﴾ [الأنعام: ١] وثانيها : العلم بكونه قادرا، قال تعالى في أول سورة القيامة ﴿بلى قادرين على أن نسوى بنانه﴾ وقال في آخر هذه السورة ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى﴾ وثالثها : العلم بكونه تعالى عالما، قال تعالى :﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة﴾ ورابعها : العلم بكونه عالما بكل المعلومات، قال تعالى :﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ وقوله تعالى :﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾ وخامسها : العلم بكونه حيا، قال تعالى :﴿هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين﴾ وسادسها : العلم بكونه مريدا، قال الله تعالى :﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ وسابعها : كونه سميعا بصيرا، قال تعالى :﴿وهو السميع البصير﴾ وقال تعالى :﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ وثامنها : كونه متكلما، قال تعالى :﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ وتاسعها : كونه أمرا، قال تعالى :﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ وعاشرها : كونه رحمانا رحيما مالكا، قال تعالى :﴿الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين﴾ فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها.
وأما القسم الثالث : وهو الأفعال، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام. أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل، كما قال تعالى :﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ وأما الأجسام، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل. أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه أحدها : البحث عن أحوال السموات، و ثانيها : البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى :﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ وثالثها : البحث عن أحوال الأضواء، قال الله تعالى :﴿الله نور السموات والأرض﴾ وقال تعالى :﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ ورابعها : البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى :﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا﴾ وخامسها : اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى :﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ وسادسها : منافع الكواكب، قال تعالى :﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ وسابعها : صفات الجنة، قال تعالى :﴿وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ وثامنها : صفات النار، قال تعالى :﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ وتاسعها : صفة العرش، قال تعالى :﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ وعاشرها : صفة الكرسي، قال تعالى :﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ وحادي عشرها : صفة اللوح والقلم. أما اللوح، فقوله تعالى :﴿بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ﴾ وأما القلم، فقوله تعالى :﴿ن والقلم وما يسطرون﴾.
وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها : الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها : كونه مهدا، قال تعالى :﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا﴾ وثانيها : كونه مهادا، قال تعالى :﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾ وثالثها : كونه كفاتا، قال تعالى :﴿كفاتا * أحياء وأمواتا﴾ ورابعها : الذلول، قال تعالى :﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا﴾ وخامسها : كونه بساطا، قال تعالى :﴿والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾ والكلام فيه طويل وثانيها : البحر، قال تعالى :﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا﴾ و ثالثها : الهواء والرياح. قال تعالى :﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ وقال تعالى :﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ ورابعها : الآثار العلوية كالرعد والبرق، قال تعالى :﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته﴾ وقال تعالى :﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب وخامسها : أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها، وسادسها : أحوال الحيوانات، قال تعالى :﴿وبث فيها من كل دابة﴾ وقال :﴿والأنعام خلقها لكم﴾ وسابعها : عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة، قال :﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ وثامنها : العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه وتاسعها : تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة، وعاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت، وكيفية البعث والقيامة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة.
وأما القسم الرابع : وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح.
أما القسم الأول : فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لا بد منه في هذا الباب، قال الله تعالى :﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾، وقال :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
وأما الثاني : فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه.
وأما القسم الخامس : وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى :﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ فهذا كله يتعلق بمعرفة الله.
وأما القسم الثاني : من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى :﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته﴾ والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله :﴿وملائكته﴾ وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى :﴿جاعل الملائكة رسلا﴾ ومنها أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى :﴿فالمقسمات أمرا﴾ ﴿فالمدبرات أمرا﴾ وقال تعالى :﴿والصافات صفا﴾ ومنها حملة العرش قال :﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ ومنها الحافون حول العرش قال :﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ ومنها خزنة النار قال تعالى :﴿عليها ملائكة غلاظ شداد﴾ ومنها الكرام الكاتبون قال :﴿وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين﴾ ومنها المعقبات قال تعالى :﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه﴾ وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين.
وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى :﴿فتلقى ءادم من ربه كلمات﴾ ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى :﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور.
وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال :﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾.
القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله :﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى