البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الجدد : جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل، كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً.
وقال الزمخشري : والجدد : الخطط والطرائق.
وقال لبيد : أو مذهب جدد على الواحد، ويقال : جدة الحمار للخطة السوداء التي على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه. انتهى.
وقال الشاعر :
كأن مبرات وجدة ظهرهكنائن يجري بينهن دليص
الجدة : الخط الذي في وسط ظهره، يصف حمار وحش.
الغربيب : الشديد السواد.
لما قرر تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها، أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال :﴿ألم تر﴾، وهذا الاستفهام تقريري، ولا يكون إلا في الشيء الظاهر جداً.
والخطاب للسامع، وتر من رؤية القلب، لأن إسناد إنزاله تعالى لا يستدل عليه إلا بالعقل الموافق للنقل، وإن كان إنزال المطر مشاهداً بالعين، لكن رؤية القلب قد تكون مسندة لرؤية البصر ولغيرها.
وخرج من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله :﴿فأخرجنا﴾، لما في ذلك من الفخامة، إذ هو مسند للمعظم المتكلم.
ولأن نعمة الإخراج أتم من نعمة الإنزال لفائدة الإخراج، فأسند الأتم إلى ذاته بضمير المتكلم، وما دونه بضمير الغائب.
والظاهر أن الألوان، إن أريد بها ما يتبادر إليه الذهن من الحمرة والصفرة والخضرة والسواد وغير ذلك، والألوان بهذا المعنى أوسع وأكثر من الألوان بمعنى الأصباغ.
وقرأ الجمهور :﴿مختلفاً ألوانها﴾، على حد اختلف ألوانها.
وقرأ زيد بن علي : مختلفة ألوانها، على حد اختلفت ألوانها، وجمع التكسير يجوز فيه أن تلحق التاء، وأن لا تلحق.
وقرأ الجمهور :﴿جُدَد﴾، بضم الجيم وفتح الدال، جمع جدة.
قال ابن بحر : قطع من قولك : جددت الشيء : قطعته.
وقرأ الزهري : كقراءة الجمهور.
قال صاحب اللوامح : جمع جدة، وهي ما تخالف من الطريق في الجبال لون ما يليها.
وعنه أيضاً، بضم الجيم والدال : جمع جديدة وجدد وجدائد، كما يقال في الاسم : سفينة وسفن وسفائن.
قال أبو ذؤيب :
جون السراة أم جدائد أربع. . .
وعنه أيضاً : بفتح الجيم والدال، ولم يجزه أبو حاتم في المعنى، ولا صححه أثراً.
وقال غيره : هو الطريق الواضح المبين، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض.
وقال أبو عبيدة : يقال جدد في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية.
وقال صاحب اللوامح : جدد جمع جديد بمعنى : آثار جديدة واضحة الألوان. انتهى.
وقال : مختلف ألوانها، لأن البياض والحمرة تتفاوت بالشدة والضعف، فأبيض لا يشبه أبيض، وأحمر لا يشبه أحمر، وإن اشتركا في القدر المشترك، لكنه مشكل.
والظاهر عطف ﴿وغرابيب﴾ على ﴿حمر﴾، عطف ذي لون على ذي لون.
وقال الزمخشري : معطوف على ﴿بيض﴾ أو على ﴿جدد﴾، كأنه قيل : ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد.
وقال بعد ذلك : ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله :﴿ومن الجبال جدد﴾، بمعنى : ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى تؤول إلى قولك : ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال :﴿ثمرات مختلفاً ألوانها﴾.
والظاهر أنه لما ذكر الغرابيب، وهو الشديد السواد، لم يذكر فيه مختلف ألوانه، لأنه من حيث جعله شديد السواد، وهو المبالغ في غاية السواد، لم يكن له ألوان، بل هذا لون واحد، بخلاف البيض والحمر، فإنها مختلفة.
والظاهر أن قوله :﴿بيض حمر﴾ ليسا مجموعين بجدة واحدة، بل المعنى : جدد بيض، وجدد حمر، وجدد غرابيب.
ويقال : أسود حلكوك، وأسود غربيب، ومن حق الواضح الغاية في ذلك اللون أن يكون تابعاً.
فقال ابن عطية : قدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر، وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا.
وقال الزمخشري : الغربيب تأكيد للاسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد، كقولك : أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك ؛ ووجهه أن يظهر المؤكد قبله، فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة :
والمؤمن العائذات الطير. . .
وإنما يفعل لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريق الإظهار والإضمار جميعاً. انتهى.
وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجيز حذف المؤكد.
ومن النحاة من منع ذلك، وهو اختيار ابن مالك.
وقيل : هو على التقديم والتأخير، أي سود غرابيب.
وقيل : سود بدل من غرابيب، وهذا أحسن، ويحسنه كون غرابيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث :« أن الله يبغض الشيخ الغربيب »، يعني الذي يخضب بالسواد، وقال الشاعر :
العين طامحة واليد سابحةوالرجل لائحة والوجه غربيب
وقال آخر :
ومن تعاجيب خلق الله غاليةالبعض منها ملاحيّ وغربيب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى