الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : فيها/ وجهان، أحدهما : أنها ألفُ استفهامٍ على بابِها، ولم تتضمَّنْ هذه الكلمةُ معنى أَخْبِروني، بل هو استفهامٌ حقيقيٌّ. وقوله :" أَرُوْني " أمرُ تَعْجيزٍ. والثاني : أنَّ الاستفهامَ غيرُ مُرادٍ، وأنها ضُمِّنَتْ معنى أَخْبروني. فعلى هذا تتعدَّى لاثنين، أحدُهما :" شركاءَكم "، والثاني : الجملةُ الاستفهاميةُ مِنْ قولِه :" ماذا خَلَقوا ". و " أَرُوْني " يُحتمل أَنْ تكونَ جملةً اعتراضيةً. الثاني : أَنْ تكونَ المسألةُ مِنْ بابِ الإِعمالِ، فإنَّ " أَرَأَيْتُمْ " يطلبُ " ماذا خَلَقُوا " مفعولاً ثانياً، و " أَرُوْني " أيضاً يطلبُه مُعَلِّقاً له، وتكونُ المسألةُ مِنْ بابِ إعمال الثاني على مختار البصريين، و " أَروني " هنا بَصَرِيَّةٌ تعدَّتْ للثاني بهمزةِ النقلِ، والبصَريةُ قبل النقلِ تُعَلَّقُ بالاستفهامِ كقولِهم :" أما ترى أيُّ بَرْقٍ ههنا " ؟ وقد تقدَّم الكلامُ على " أَرَأَيْتُمْ " هذه في الأنعامِ مشبعاً. وقال ابنُ عطية هنا :" إنَّ أرأيتُمْ يَتَنَزَّلُ عند سيبويهِ مَنْزِلةَ أَخْبروني ؛ ولذلك لا يَحْتاج إلى مَفْعولين ". وهو غَلَطٌ بل يَحْتاجُ كما تقدَّم تقريرُه. وجَعَلَ الزمخشريُّ الجملةَ مِنْ قولِه :" أَرُوْني " بدلاً مِنْ قولِه " أَرَأَيْتُمْ " قال :" لأنَّ معنى أَرَأَيْتُمْ أَخْبروني ". وردَّه الشيخ : بأنَّ البدلَ مِمَّا دَخَلَتْ عليه أداةُ الاستفهامِ يَلْزَم إعادتُها في البدلِ ولم تُعَدْ هنا. وأيضاً فإبدالُ جملةٍ مِنْ جملةٍ لم يُعْهَدْ في لسانِهم.
قلت : والجوابُ عن الأولِ : أنَّ الاستفهامَ فيه غيرُ مرادٍ قطعاً فلم تَعُدْ أداتُه لعدمِ إرادتِه. وأمَّا قولُه :" لم يُوْجَد في لسانِهم " فقد وُجِدَ. ومنه :
٣٧٧٠ متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا. . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. [ وقولُه :] إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايِعا *** تُؤْخَذَ كَرْهاً. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وقد نَصَّ النَّحْوِيون : على أنَّه متى كانت الجملةُ في معنى الأولِ ومُبَيِّنةً لها أُبْدِلَتْ منها.
قوله :﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ الضميرُ في " آتَيْناهم " و " فهم " الأحسنُ أَنْ يعودَ على الشركاء لتتناسَقَ الضمائرُ. وقيل : يعودُ على المشركين، فيكونُ التفاتاً مِنْ خطابٍ إلى غَيْبة.
وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وابن كثير وحفصٌ " بَيِّنَةٍ " بالإِفراد. والباقون " بَيِّناتٍ " بالجمع. و " إنْ " في " إنْ يَعِدُ " نافيةٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى